عاشق أوغاريت :د.غسان القيم. يكتب:بيت أهلي عم يندهلي .“الباب اللي بيحملك طفِل بيضل يعرف خطوتك ولو صرت رجل”.

بيت أهلي عم يندهلي…
وكأن جدرانه الطينية تعرف اسمي منذ ولدت وتعيده إليّ كلما ابتعدتُ عن عتبة الدار. هناك بين شقوق الطين ورائحة الخشب العتيق يسكن النداء الأول… النداء الذي يسبق الكلام ويشدّ القلب قبل الخطوات.
كان البيت قديماً يفتح ذراعيه قبل أن نطرق بابه. نافذته الصغيرة تلمحنا من بعيد فتتهدل عليها خيوط الشمس كأنها ستائر من ذهبٍ تُزيحها يدٌ أمٍّ تنتظر أبناءها. وكلما اقتربنا تصحو رائحة الخبز القديم رائحة القمح المسكون بالحنين تمرّ بنا كأنها تقول: “ارجع… هون مطرحك.”
في الساحة الواسعة ما زال الدرج الحجري يحتفظ بأثر أقدام من عبروا قبلي: جدّي الذي كان ينهض مع الفجر وجدّتي التي تُغني للخبز وهي تديره فوق الصاج، وأمي التي كانت تعرف بحاسة القلب أننا على الطريق قبل أن نصل.
بيت أهلي عم يندهلي…
ليس بصوتٍ نسمعه بالأذن بل بندبة حنان تُفتح فجأة في الذاكرة. الجدران التي رأيناها ذات يوم عادية تصبح اليوم حكاية كل حجر فيها يحفظ سراً وكل زاوية تعرف قصة. حتى باب الخشبة بصريره الخفيف يبدو كأنه يُعاتبنا برفق: “شو طولك؟ المسا ما بيحلى بلاك.”
وعندما ندخل نشعر بذلك الدفء الذي لا يصنعه مدفأة ولا كهرباء… دفء يُسكبه المكان من معجونه القديم من دمع الفرح الذي سال فيه من ضحكاتٍ ترنحت على أرضه من مواسم خيرٍ مرت فوق سطحه.
بيت أهلي عم يندهلي…
وكلما سمعته عرفت أن النداء ليس للعودة فقط بل للطمأنينة… لأن البيوت التي بنَتها أيدٍ صافية لا تنطفئ جذوتها. تظل تنادينا مهما ابتعدنا وتظل تقول لنا بصوت يشبه حكمة الأجداد:


“الباب اللي بيحملك طفِل… بيضل يعرف خطوتك ولو صرت رجل.”

عاشق اوغاريت.. غسان القيم..

أخر المقالات

منكم وإليكم