ظاهرة الموت في مسرح صلاح عبد الصبور


(1)
على الرغم من أن صلاح عبد الصبور لم يكتب غير خمس مسرحيات شعرية فقط فإن مسرحياته الخمس هذه فيها ثراء كبير، وتخضع لتأويلات عديدة، ومن ثم تتتابع الدراسات عنها.
(2)
ومن الظواهر التي نراها في مسرح صلاح عبد الصبور الحضور القوي للموت فيها، ونرى أثره الكبير على الشخصيات والأحداث بها.
ونرى الموت حاضرًا بشكل مادي ملموس في أربع مسرحيات منها – هي: مسرحية “مأساة الحلاج”، ومسرحية “بعد أن يموت الملك”، ومسرحية “مسافر ليل”، ومسرحية “الأميرة تنتظر” – في حين توجد مسرحية واحدة منها لا نرى فيها موتًا ماديًّا، ولكننا نرى فيها موتًا معنويًّا، وهذه المسرحية هي مسرحية “ليلى والمجنون”، والشخصية التي نراها ميتة موتًا معنويًّا فيها هي سعيد الشاعر، فهو في هذه المسرحية أسير ذكريات ماضيه البائس، ولا يستطيع التخلص منها، وهو أيضًا يرى نفسه عاجزًا، ولا يملك غير قلمه الذي يكتب به الشعر، ويرى أن أمثاله عبء على الحياة، وأنهم لا يسعهم إلا أن ينتظروا القادم الذي يمسك مع القلم السيف.
وسعيد ربما قصد بكلامه هذا في هذه المسرحية – التي تعبر أحداثها عن الفترة التي حدث فيها حريق القاهرة، وسبقت ثورة 23 يوليو – أن الأوضاع التي كانت في مصر قبيل ثورة 23 يوليو كانت في حاجة لتغيير كبير، وأن الشعر وحده غير قادر على إحداث ذلك التغيير، ومن ثم كان يرى أمثاله من الشعراء الذين
لا يملكون غير أقلامهم وشعرهم هم أحياء كالموتى، وأنهم لا يستطيعون فعل شيء سوى الانتظار للقادم الذي يحمل السيف الذي يمكن به التغيير.
(3)
ومسرحيات صلاح عبد الصبور الأربع الأخرى التي فيها حوادث موت نراها كلها حوادث موت تتم عن طريق القتل، إلا مسرحية واحدة نرى فيها حادث موت حدث بغير طريقة القتل، وهي مسرحية “بعد أن يموت الملك”، وفي هذه المسرحية نرى ملكًا ديكتاتورًا متجبرًا، وهو يتلذذ بقهر من حوله وإذلالهم، كحال كاليجولا في مسرحية “كاليجولا” لألبير كامي، في حين يبدو هذا الملك ضعيفًا حين يختلي بزوجته، ونكتشف من حديثه معها أنه – تقريبًا – عاجز جنسيًّا، وأن هذا
مما يجعله لا يستطيع أن يظهر بطشه عليها، كحاله مع بطانته، ومع آخرين ممن هم
في مملكته التي خضعت له قهرًا.
وخلال حديث الملكة مع ذلك الملك في مخدعها نراها تحدثه عن رغبتها في أن تعاشر شخصًا آخر، وتنجب منه ، ولا يظهر ممانعة في ذلك، ثم يموت ذلك الملك فجأة، وأعتقد أن موته بهذا الشكل عنصر ضعف في هذه المسرحية، فلم تكن هناك مقدمات لموته، وإنما فوجئنا بموته هكذا في هذه المسرحية.
وفي هذه المسرحية نرى حدث موت آخر، ولكنه يتم عن طريق القتل،
وفي هذا الحدث نرى الشاعر بعد أن بعثت فيه الملكة الروح، وأزالت عنه غبار خنوعه للملك الراحل يستطيع أن يواجه الجلاد حين جاء ليأخذ الملكة لتقيم قرب جثته؛ تنفيذًا للصوت الذي صدر من هذه الجثة، وطلب ذلك أمام بطانة ذلك الملك الراحل؛ ممثلة في الوزير والقاضي والمؤرخ، ولا يسمح الشاعر للجلاد باصطحاب الملكة معه، بل إنه يفقأ عينًا له بمزماره، ويأخذ منه سيفه، ويقتله به، وبهذا نرى في ذلك الشاعر تجسيد حلم سعيد الشاعر في مسرحية “ليلى والمجنون” لمن يحلم به وينتظر حضوره، وهو من يحمل سيفًا مع قلمه.
(4)
ومن الملاحظ أن حوادث القتل غالبًا ما تحدث في نهاية مسرحيات صلاح عبد الصبور، كما نرى هذا في مسرحية “مسافر ليل”، ومسرحية “الأميرة تنتظر”، ومسرحية “مأساة الحلاج”، وفي هذه المسرحية الأخيرة نرى جثة الحلاج مصلوبة ومعلقة في بدايتها، ثم يحدث استرجاع للحوادث التي أدت لهذه النهاية للحلاج.
وكان قتل الحلاج وصلبه في هذه المسرحية؛ لأنه خلع خرقة التصوف التي تعزله عن الناس، ونزل للناس في الأسواق يحدثهم عن فقرهم وأسبابه، وأهمية الوقوف أمام الظالمين الذين تسببوا في فقرهم، ويقبض على الحلاج لاتخاذه هذا الموقف الثوري، ويحاكم محاكمة صورية ظالمة تركز على أفكاره الغريبة في العقيدة، وليس على ثورته من أجل نصرة الفقراء، وإزالة الظلم عنهم، ويتم الحكم بقتله وصلبه في هذه المحاكمة.
وفي مسرحية “مسافر ليل” نرى راكبًا في قطار يشعر بالخوف؛ لكونه وحيدًا بعربة في ذلك القطار، ولظلمة الليل التي تشمل ذلك المكان، ويفاجأ ذلك الراكب بدخول شخص عليه، وهو يتلون كالحرباء في شخصيات مختلفة، فيدَّعي أنه الإسكندر الأكبر، ثم يدَّعي أنه مجرد مسئول عن قطع التذاكر في ذلك القطار،
ثم يدَّعي أنه عشري السترة، وأنه مسئول عن هذه المنطقة، وأنه يحقق في جريمة قتل تتعلق بأمر مقدَّس.
وبعد أن يعتصر هذا الشخص ذلك الراكب، ويملؤه خوفًا ورعبًا منه يقوم بقتله، ويطلب إلى الراوي في هذه المسرحية أن يساعده في حمل جثة ذلك الشخص، فيوافقه الراوي، ويبرر موافقته له بأنه أعزل، ويخشى أن يكون مصيره كمصير ذلك الراكب.
ومسرحية “الأميرة تنتظر” تنتهي بحادث قتل للسمندل الذي اغتصب مُلْكَ مملكة بعد أن خضعت له الأميرة بنت ملك هذه المملكة، وسلمت له جسدها وعقلها، وقتل أباها أمام عينيها.
وحين ثار الجند والحرس على ذلك الشخص المغتصب للمُلْكِ في هذه المملكة لجأ لهذه الأميرة في الكوخ الذي فرت إليه مع ثلاث وصيفات لها؛ لأنها
لم تستطع أن تستمر مع ذلك القاتل لوالدها والمغتصب لملكه.
وقد أتى السمندل لهذه الأميرة؛ ليطلب عودتها معه للقصر؛ عسى أن تهدأ ثورة الجند والناس في تلك المملكة عليه، وكادت الأميرة أن تخضع لهذا الشخص من جديد لولا أن واحدًا من أبناء الشعب في تلك المملكة قد عرف ما سيفعله السمندل مع هذه الأميرة، فسبقه لهذا الكوخ، وانتظره فيه، وحين أتى السمندل إليه وكلم الأميرة لترجع معه للقصر قتله، ونصح الأميرة بألا تقع في مثل هذه السقطة بعد ذلك أبدًا، وأن تكون دائمًا سيدة وأميرة.
(5)
ونلاحظ أن القتل الذي تم في نهاية مسرحية “الأميرة تنتظر” كان تكفيرًا
عن الخطيئة التي ارتكبتها الأميرة فيها، وأن القتل الذي تم في نهاية مسرحية
“مسافر ليل” كان بلا أسباب، ويتوافق مع أجواء القهر العبثية فيها، وكان القتل
في مسرحية “مأساة الحلاج” بغرض إخراس صوت المقتول عن توعية الناس، كما أن الحكم الذي صدر بقتله كان فيه تشويه له؛ حتى يُشاع أنه قُتِلَ لمعتقداته الغريبة، وليس لمساندته بسطاء الناس في وقوفهم ضد ظالميهم.

بقلم د.علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم