طبيبة الفقراء( سابات إسلامبولي ) في زمن النهضة، قصة أول سورية من امريكا.

سابات إسلامبولي: طبيبة الفقراء في زمن النهضة، قصة أول سورية تحمل شهادة الطب من أمريكا…
تركي مصطفى
في عام 1867، وتحت ظل السلطنة العثمانية التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وفي مدينة دمشق التي لا تزال تحتفظ بذاكرة الأمس وروح الشام العتيقة، وُلدت طفلة لعائلة يهودية محافظة، عُرفت بين أهلها وفي أزقة دمشق باسم “ثبات إسلامبولي”. وهذا الاسم، كما هو حال كثير من الأسماء في تلك البقعة من العالم التي تتقاطع فيها الحضارات، لم يستقر على صيغة واحدة؛ فالبعض نطقها “سبات”، وآخرون قالوا “تبات”، وثالثة ربطتها بإسطنبول، لكنها في النهاية كانت ذات امرأة.
لم تكن محافظة عائلتها مجرد تمسك بالطقوس الدينية، بل كانت انعكاسًا لهوية معقدة: فهي يهودية، لكنها من أصل كردي. وهذا المزيج الفريد بين الإرث الكردي الجبلي والإيمان اليهودي الحريص على التقاليد، هو ما سيشكل وعيها، وهو ما سيجعلها لاحقًا نموذجًا نادرًا للانتماء المتعدد في زمن كان يفرض على الناس هوية واحدة.
كانت نهاية القرن التاسع عشر فترة مد وجزر في الشرق الأوسط. فيها بدأت البعثات التبشيرية والغرب ينفتح على الشرق، وفيها بدأت أولى بوادر النهضة العربية التي حملها رجال من بيروت والقاهرة ودمشق. وفي خضم هذا التحول، كان تعليم المرأة مجرد همس في زاوية النقاش العام. لكن ثبات إسلامبولي، التي شعرت باكرًا أن هناك فجوة هائلة بين ما تملكه من علم وبين ما يعانيه شعبها — ليس فقط اليهود، بل الفقراء والمحتاجين حيثما كانوا — قررت أن تتخذ قرارًا جريئًا: أن ترحل إلى أمريكا.
درست في كلية الطب النسائية في بنسلفانيا. وهنا لا يمكن للمرء إلا أن يتوقف أمام مشهد كان يلفت الأنظار في قاعات تلك الكلية الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر. ففي الوقت الذي كانت فيه الطالبات الأخريات يرتدين أزياء العصر الفيكتوري، كانت ثبات تصل إلى قاعات الدرس مرتدية زي أكراد خراسان التقليدي: قفطانها الحريري الداكن، وفستانها الطويل، وقبعتها المزركشة التي تتمايل عليها سلاسل الفضة. لم يكن ذلك مجرد تشبث بالملبس، بل كان رسالة بصرية واضحة: “أنا من هنا، أنا حاملة لتراث شعبي، وأنا لا أتنازل عن هويتي لأجل شهادة”. وهنا، في قاعة الدرس أو ربما في أحد الممرات بين المختبرات، وقفت ثبات لتلقي بكلماتها التي حفظها لنا التاريخ، أو حفظتها لنا بعض الوثائق. قالت، وهي تخاطب جماعة الطب في بنسلفانيا: “إن حضوري هنا ما هو إلا لأقدم المساعدة لشعبي من الفقراء والمحتاجين”. تأمل هذه العبارة جيدًا. إنها ليست كلمات طالبة عادية. إنها إعلان عن فلسفة. إنها تقول: “أنا لم آتِ لأتعلم فقط، ولم آتِ لأصبح طبيبة ناجحة في أمريكا، بل جئت كي أحمل هذا العلم إلى حيث يُحتاج إليه حقًا: إلى شوارع دمشق القديمة، إلى أزقتها المظلمة، إلى بيوت الفقراء الذين لا يجدون من يداويهم”.
في عام 1890، وبعد سنوات من الجد والاجتهاد، حصلت ثبات إسلامبولي على درجة الطب. وعادت إلى بلاد الشام لتصبح واحدة من أوائل الطبيبات السيدات في سوريا. في مجتمع كان الرجل فيه هو الطبيب الوحيد، كانت امرأة يهودية كردية ترتدي زيّها التقليدي تدخل بيوت الفقراء والمحتاجين، تلمس جروحهم، وتداوي أمراضهم. لم تكن قصة نجاح فردي فقط، بل كانت قطعة من فسيفساء الشام التي كانت، قبل أن تنكسر على صخور النزعات القومية والدينية الضيقة، نموذجًا للتعدد والتعايش.
توفيت ثبات إسلامبولي في عام 1941. في ذلك العام، كانت المنطقة كلها على أبواب متغيرات كبرى، والحرب العالمية الثانية في أوجها، وكانت فكرة “الطبيبة” قد بدأت شيئًا فشيئًا تفرض نفسها. لكن ثبات لم ترَ نكبة 1948، ولم ترَ كيف أن يهود دمشق — أهلها وأبناء بلدها — اضطروا للمغادرة.
صورتها التي تصلنا، وهي ترتدي لباسها الكردي التقليدي، هي أكثر من مجرد صورة لطبيبة عجوز. هي وثيقة لزمن كان فيه الإنسان يستطيع أن يكون كل هذه الأشياء معًا: يهوديًا، كرديًا، سوريًا، وطبيبًا للفقراء، دون أن يشعر بتناقض. ورسالتها إلى جماعة الطب في بنسلفانيا تظل نافذة على روح امرأة آمنت أن العلم الحقيقي ليس وسيلة لرفعة صاحبه، بل هو أداة لخدمة من لا يملكون سوى الألم.
الموقع: #سوريات_souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم