صوته أعلى من 4 آلاف عام.رغم أنه لوحٌ فخاري صغير. عندما همس بسر لغز تعويذة الشفاء من الإدمان على الخمر.

لوحٌ فخاري صغير… لكن صوته أعلى من أربعة آلاف عام.. عندما همس بسر لغز تعويذة الشفاء من الإدمان على الخمر

غسّان القيم.. عاشق أوغاريت
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في عام 1961م.. وبينما كانت الريح البحرية تداعب أعشاب رأس الشمرة كانت معاول البعثة الأثرية تلامس طبقة من الطين اليابس كأنها توقظ ذاكرة غافية. هناك، في تلك اللحظة التي تتجمّد فيها الأنفاس بين ضربة وأخرى ظهر لوح فخاري بلون غروب منسيّ. لوحٌ نحيل لكنه كان يحمل بين وجهيه قصةً وطقساً وعقيدة… وتعويذة للشفاء من الإدمان على الخمر.
اللوح الفخاري يركن في إحدى قاعات المتحف الوطني بدمشق.. لكنه ظلّ في الحقيقة يعيش بيننا كلما أعدنا قراءته. فالنص المكتوب على الطين لم يكن مجرد أسطر كان مشهداً كاملاً من حياة آلهة أوغاريت وأساطيرها، ومفتاحاً صغيراً لفهم نظرة الإنسان القديم للألم والدواء والضعف والرغبة.
في القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد.. كانت أوغاريت أشبه بـ قلبٍ نابض يضخ التجارة والثقافة في جسد الشرق كله. من مرفأ مينة البيضا كانت السفن تُبحر نحو ثلاث قارات تحمل المعادن والكتب والزيوت العطرية والطبية وزيت الزيتون والشراب والخشب وتعود محمّلة بالحكايات والأفكار.
لكن ما لم تصلنا سفنُه هو تاريخها الكامل… تاريخٌ يشبه فسيفساء تتكوّن من مئات القطع الصغيرة. كل رقيم أو لوح أو ختم هو قطعة تُضاف إلى الصورة الجميلة وهذا اللوح الفخاري كان واحد من تلك القطع الاستثنائية.
في الوجه الأول من اللوح نسمع حركة الآلهة كأنها تدبّ الآن في أرجاء القصر السماوي.
إيل كبير الآلهة يقيم مأدبة في بيته الواسع. يوزّع اللحم ويرفع كؤوس عصير العنب ويجلس بين ضيوفه مترفّهاً متبسّطاً.
لكن شيئاً ما لا يسير كما يجب..فـ إله القمر “يَرَح” يزحف تحت مقاعد المائدة يتلقى اللحم والشراب من يدٍ إلى يد وكأن الوليمة خرجت عن وقارها. وبينما يتمايل الضيوف يبدو أن إيل نفسه يشرب فوق طاقته. يشرب… ثم يشرب… حتى يكاد الشراب يسحب روحه إلى العالم الأسفل.
تحمله الآلهة الخدم شاكونان شانام يطارده كائن شرس يُدعى خاباي – يُظن أنه شيطان بقرون وذيل – ثم يتعثر إيل ويسقط سقوطاً يشبه الموت.
يصفه النص بجملة تهزّ القارئ:
“إيل كان مثل أولئك الذين يهبطون إلى العالم الأسفل…”
وهنا يبدأ الجزء الأعمق… الجزء الذي كُسِر نصفه على اللوح لكنه ظلّ يلمع بين الشقوق.
تخرج الإلهتان عناة وعشيرة في رحلة طويلة.
تعبران البراري… تصعدان سبع هضاب… تبحثان عن ما يعيد “إيل” من حافة الموت ومن سطوة الشراب الذي جعله هشّاً كالعشب.
لم يخبرنا الطين بكل شيء لكن ما وصل إلينا يكفي ليدرك الباحث أن الإلهتين جمعتا أعشاباً طبية يصنع منها الناس مرهماً أو شراباً يوضع على الصدغين والبطن ممزوجاً بزيت زيتون طازج.
كان ذلك على الأرجح جزءاً من طقس علاجي ضد الإدمان على الخمر… تعويذة لتهدئة الجسد وإعادة التوازن والوعي مدعومة بالأسطورة لتمنح المريض هيبة الإله وقوة الطقس.
سطرٌ ناقص… وعالمٌ كامل لا يزال ينتظر
نهاية النص مشوّهة كأن الزمن نفسه أراد أن يترك لنا سرّاً غير مكتمل. لم نعرف الكيفية الدقيقة للشفاء لكننا رأينا طريقته، وشاهدنا رحلة الإلهات وسمعنا همس الأعشاب والزيت وقرأنا محاولة الإنسان القديم لفهم الإدمان ولصنع دواءٍ لا يعالج الجسد فقط بل الروح أيضاً.
أوغاريت.. مدينة تتكلم كلما حُرك غبارها
هكذا كانت أوغاريت وما تزال
مدينة تنتظر من يرفع عنها الغبار لتتكلم… لتقول إنها لم تكن فقط مرفأً وملكاً ومجداً بل كانت أيضاً مدينة الروح والطب والأسطورة والمعرفة..
“سيبقى ذكر هذه المدينة مزدهراً وسنبقى ممتنين لسكانها القدماء على ما تركوه لنا من حضارة تضيء الطريق.”
سرد تاريخي
“””””””””””””””””
غسّان القيم.. عاشق أوغاريت:

الصورة المرفقة نمطية مأخوذة عن طريق الذكاء الاصطناعي

أخر المقالات

منكم وإليكم