توريث عبء الدليل .. مغالطة نقل عبء الإثبات تخيل أنك تجلس في مقهى هادئ، ترتشف قهوتك المُرّة بسلام، فيقتحم صديقك طاولتك فجأة ويقول بحماسة المنتصر: “هناك تنين أرجواني غير مرئي يعيش في جيب سترتك الآن، ولا يمكن لأي وسيلة علمية رصده”. ترمقه بنظرة خاوية وتسأله: “وما دليلك على هذا الادعاء العجيب؟”. هنا، تلمع عيناه بالمكر الفلسفي، يميل نحوك، ويهمس كمن يكشف لك سرّ الكون الأعظم: “بل أنتَ… ما دليلك على أنه غير موجود؟”. في هذه اللحظة بالذات، لقد تمّ – يا صديقي – توريثك عبء الدليل، وأنت لا تدري. لقد نقل صاحبك حقيبة الإثبات الثقيلة من كتفه المنهك، ووضعها على كتفك البريء، ثم رحل يصفّر فرحاً وكأنه فيلسوف إغريقي انتصر للتو في ساحة الأغورا.إن مغالطة “نقل عبء الدليل” ، هي تلك الحيلة البلاغية العجيبة التي تجعل المدّعي يتهرّب من مسؤوليته الفطرية في تقديم البرهان، ويلقي بها ككرة ملتهبة في ملعب الطرف الآخر. إنها فن أن تقول لخصمك: “أثبت أنني مخطئ”، بدلاً من أن تتجشم عناء إثبات أنك على صواب. وكأن رجلاً يدّعي أنه يمتلك قصراً في المريخ، فإذا طالبه القاضي بسند الملكية، أدار وجهه نحوك أنت – أيها الجالس في مقعد المتفرج – وقال بكل صفاقة: “بل هو من عليه أن يثبت أنني لا أمتلك هذا القصر!”. المنطق السليم يقول: “البيّنة على من ادّعى”، أما هذه المغالطة فتقول بكل أناقة: “البيّنة على من اعترض، وإلا فليسكت إلى الأبد”.ولكي تكتمل الصورة في ذهنك، دعنا نقارن هذه المغالطة بابنة عمتها الأنيقة: “المصادرة على المطلوب”. الفرق بينهما هو الفرق بين لص نشّال يسرق ساعتك من معصمك مباشرة، وبين نصّاب محترم يبيعك ساعتك نفسها ويدّعي أنها قطعة أثرية. في “المصادرة على المطلوب”، يختبئ المدّعي داخل نتيجته كما تختبئ السمكة داخل الماء؛ إنه يثبت صحة الفرضية بأن يكررها بصيغة أخرى، كأن يقول لك: “الأسد ملك الغابة لأنه الأقوى، ونعرف أنه الأقوى لأنه ملك الغابة”. إنها رقصة دائرية مغلقة، تحوصل نفسها بنفسها، وكأنك تبرهن أن الكتاب ممل لأنه لا يُقرأ، وتثبت أنه لا يُقرأ لأنه ممل. أما “نقل عبء الدليل”، فهو أكثر دهاءً وأقل فلسفة؛ إنه لا يدور في حلقة، بل يقفز خارج الحلبة تماماً ويسلّم خصمه قفاز الملاكمة قائلاً: “تفضل، أنا أنتظرك في المدرجات”. إنه استسلام مقنّع بهيئة هجوم، وفرار إلى الأمام مزين بشارات السفسطة.تأمل معي هذه المحاورة الخيالية بين رجل يستخدم كلتا المغالطتين، لترى كيف تلتقيان وتفترقان:قال الأستاذ لتلميذه: “العالم كله مجرد وهم في عقل فراشة تحلم”.قال التلميذ: “كيف عرفت؟”.قال الأستاذ: “لأن كل ما نراه ليس حقيقياً، بدليل أنه وهم، وأنه وهم لأنه ليس حقيقياً”. (هنا، صادر على المطلوب ببراعة).قال التلميذ: “لم أفهم، ألا يوجد دليل؟”.فقال الأستاذ وهو يبتسم ابتسامة البله “بل أنت من عليك أن تثبت لي أن العالم حقيقي، وهات دليلك إن كنت من الصادقين!”. (وهنا، نقل عبء الدليل نقلة بهلوانية رشيقة).في الحالة الأولى، دار الأستاذ حول نفسه في حلقة مفرغة وهو يترنح ، وفي الثانية، رمى بعباءة الإثبات على كتفي تلميذه المسكين وانصرف. وبين الحلقة والعباءة، ضاع المنطق في لحظة عنجهية الأستاذ إن هذه المغالطة تتسلل إلى أحاديثنا اليومية دون أن نشعر. حين يقول لك قريبك العزيز: “فلان شخص سيئ”، فتسأله: “لماذا؟”، فيجيبك: “اسأل أنت الناس، وشوف اللي يقولوا عكسه!”. إنه لا يقدم دليلاً، بل يطالبك أنت بأن تثبت براءة الرجل، محوّلاً إياك إلى محقق خاص في قضية لا تملك أوراقها. وحين يصرخ المنجم في التلفاز: “برجك سيجلب لك المال هذا الأسبوع”، ثم تسأله بعد فشل النبوءة، يقول لك بكل بساطة: “هل تستطيع أنت أن تثبت أن النجوم لم ترسل لي هذه الرسالة؟”. إنها الحجة التي لا تموت، لأنها ببساطة ترفض أن تولد أصلاً.الجميل في هذه المغالطة أنها تلبس ثوب التواضع الزائف أحياناً، كأن يقول لك أحدهم: “أنا لا أملك دليلاً على وجود الجن، لكن العلم أيضاً لم يثبت عدم وجوده”. هنا، يتساوى عنده الخرافة والفيزياء النووية في نقص البرهان، وينسى أن العبء يقع على من يدّعي وجود الشيء، لا على من ينفي وجود ما لا أثر له ولا حس ولا خبر. إن القول “لا يمكنك إثبات عدم وجوده” هو شهادة ميلاد لكل خرافة، ومنح دراسية لكل وهم، وتأشيرة دخول دائمة إلى بلاد السفسطة. تذكّر عزيزي القارئ أن صديقك الذي أخبرك عن التنين الأرجواني في جيبك لا يزال ينتظر ردك. فإن أردت أن ترد الصاع صاعين، فقل له في المرة القادمة: “جميل، أنا أيضاً أملك تنيناً أحمر غير مرئي، يعيش في ساعة يدي، يأكل التنانين الأرجوانية تحديداً على الغداء. وما دليلي؟ لا دليل لديّ، ولكن ما دليلك أنت على أن تنيني لا يأكل تنينك؟”. عندها فقط، ستعرف أن أفضل طريقة لإطفاء حريق السفسطة هي أن تشعل فيها حريقاً آخر مماثلاً، وتتركهما يلتهمان بعضهما البعض، بينما تذهب أنت لشرب قهوتك بسلام …
#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت .


