شخصية الثائر على المجتمع في مسرحية عدو المجتمع لموليير ومسرحية عدو الشعب لإبسن

بقلم د.علي خليفة

يتشابه إلسست بطل مسرحية عدو المجتمع لموليير مع الدكتور توماس بطل مسرحية عدو الشعب لإبسن في صفات كثيرة، فكل واحد منهما يتمرد على فساد خلقي كبير يتفشى في مجتمعه، ويواجهان أفراد مجتمعهما بنصحهما بصراحة كبيرة وحدة أيضا، ويبدوان كثائرين على مجتمعيهما.

فنرى إلسست في مسرحية عدو المجتمع لموليير لا يعجبه ما تفشى في مجتمعه في القرن السابع عشر – لا سيما في طبقة النبلاء التي ينتمي لها – من كذب ونفاق ورياء، ويتعجب إلسست من أن كل مجتمعه غارق في هذا التدهور الأخلاقي، ونراه حين يتعجب من صديقه الوحيد حين كال المديح لشخص لا يعرفه يقول له ذلك الصديق: إن كل الناس في عصره يفعلون ذلك، فقد اعتادوا على المجاملات المبالغ فيها، والكذب والنفاق.وتكون مشكلة إلسست الكبرى حين يطلب إليه أحد النبلاء صداقته، فيعرفه إلسست أن الصداقة لا تطلب هكذا فجأة، ولكنها تتولد وتنمو بحسن المعاملة وتقارب النفوس، ويعرض ذلك النبيل قصيدة على إلسست ليذكر رأيه فيها، فيسخفها، ويراها عملا رديئا جدا؛ مما يجعل ذلك النبيل يقاضي إلسست، ويحاول التشنيع عليه أيضا، ويتعجب إلسست في نهاية هذه المسرحية من أن ذلك النبيل قد كسب قضيته ضده، واضطر هو لدفع غرامة.وينتهي إلسست إلى أن ذلك المجتمع الموبوء خلقيا لا يمكنه العيش فيه، لا سيما بعد أن اتضح له – في الوقت نفسه – أن المرأة التي يحبها مصابة هي الأخرى بعيوب مجتمعه الأخلاقية، كما أنها قد رفضت مصاحبته للعيش في مكان ناء منعزلين عن الناس، فتركها وترك الجميع، وقد قرر أن يعتزل العالم، ويعيش وحده في مكان ناء بعيد عن العمران.

أما الدكتور توماس في مسرحية عدو الشعب لإبسن فإنه قد رأى ما في مجتمعه من فساد أخلاقي يتمثل في السكوت على الفساد وممالئة الفاسدين من أجل المنفعة، واكتشف أن هناك تلوثا كبيرا في الحمامات العامة ومياه الشرب ببلدته، ورغب في تنبيه أهل بلدته لذلك؛ حتى يتم إصلاح ذلك الفساد. وقد وقف بيتر عمدة هذه البلدة – وهو أخو الدكتور توماس – أمام صيحات الدكتور توماس لإصلاح ذلك الفساد؛ لأنه كان له دخل فيه، وكان مستفيدا من ذلك، ومن الغريب أن أهل هذه البلدة قد صدقوا العمدة، أو هم – في الحقيقة – قد غطوا رءوسهم؛ حتى لا يروا الفساد الذي أطلعهم عليه الدكتور توماس.

ويظهر الدكتور توماس وهو يحاول معالجة القيم المنحرفة في السكوت على الفاسدين وممالئتهم والتغافل عن المخاطر المحدقة كما لو كان يناضل وحده، ولا يتبعه إلا أفراد أسرته ومجرد صديق وحيد له.وكما كان إلسست صريحا بشكل يصل للتجريح أحيانا في مواجهة أفراد مجتمعه خلال نقده لهم فإننا نرى الدكتور توماس لديه نفس جرأة ألسست وصراحته التي تصل للتجريح – هو أيضا – وهو ينقد أفراد مجتمعه؛ ولهذا فإنه لم يكن غريبا ألا يستجيب لهما أحد – إلا القليل جدا – رغم عدالة ما يدعوان إليه، بل رأينا سخرية كثير من الناس لهما.

وهذا عن وجوه الاتفاق بين إلسست والدكتور توماس، أما عن وجوه الاختلاف بينهما فإننا نلاحظ أن الدكتور توماس كان رغم صدامه الدائم مع أفراد مجتمعه، وشكواه منهم وعدم استجابتهم لصرخاته في إصلاح أنفسهم من التدهور الأخلاقي الذي انحطوا له وفي إصلاح تلوث الحمامات ومياه الشرب – فإنه لم ييأس من مواصلة دعوته لإصلاحهم؛ ولهذا نراه في نهاية مسرحية عدو الشعب يردد أنه الرجل الوحيد في بلدته صاحب الضمير الحي، ويقول: إنه مصمم على مواصلة كفاحه مع أهل بلدته رغبة في إصلاحهم وإصلاح كل خلل في هذه البلدة.

أما إلسست في مسرحية عدو المجتمع لموليير فإننا نراه بعدما تعرض لبعض المضايقات والهزائم من بعض أفراد من مجتمعه نتيجة تصادمه معهم؛ لمصارحته لهم بوجود الخلل في أخلاقهم فإننا نراه يقرر – في نهاية هذه المسرحية – اعتزال هذا المجتمع المنحط أخلاقيا، والعيش وحده.وعلى الرغم من النظرة السوداوية التي اتخذها إلسست في نهاية هذه المسرحية من مقاطعة مجتمعه وهجره فإن هذه المسرحية تعد مسرحية كوميدية، وقد كان إلسست نمطا كوميديا رغم أنه كان يدعو للفضيلة، ولكنه كان شخصا فاضلا جدا في مجتمع غير فاضل، بل مجتمع موبوء خلقيا؛ ولذلك كان مثار ضحك من تصرفاته، ويصدق على إلسست هنا ما قاله برجسون في كتاب الضحك: إن الشخص المضحك ليس فقط من يتطرف في سلوكه السلبي، ولكنه أيضا من يتطرف في سلوكه الإيجابي قياسا بمجتمعه.والنهاية التي انتهى إليها إلسست في هذه المسرحية موافقة تماما لأحداثها ولشخصية إلسست فيها، مما يجعل هذه المسرحية أقرب لما يسمى بالتراجي كوميدي أو الكوميديا السوداء؛ وكان موليير يرغب من ذلك في تنبيه كثير من نبلاء مجتمعه لفسادهم السلوكي ؛ عسى أن يصلحوه.أما مسرحية عدو الشعب فإنها ليست كوميديا على الإطلاق، لكنها مسرحية جادة، وكشف فيها إبسن بعض عيوب مجتمعه في السكوت عن بعض الانحرافات المتفشية فيه – كما فعل ذلك في بعض مسرحياته، كمسرحية الأشباح، ومسرحية أعمدة المجتمع، ومسرحية البطة البرية – ولكنها رغم ذلك ليست من أجود مسرحياته، فقد غلب عليها الوعظ المباشر، لا سيما أننا نرى الفصل الثالث فيها يغلب عليه خطبة الدكتور توماس في أهل بلدته، كما أن إبسن لم يحسن رسم أبعاد شخصياته في هذه المسرحية، فرأينا الشخصيات فيها تنقسم فريقين؛ فريقا خيرا وأفراده قليلون، وعلى رأسه الدكتور توماس، وفريقا فاسدا خلقيا، ويجيد المكر والخداع، وتكون له الغلبة، ويمثله أكثر أهل هذه البلدة، ويتزعمهم بيتر العمدة فيها.وبهذا أرى أن موليير قد وفق كثيرا في رسم شخصية إلسست في مسرحية عدو المجتمع، أما إبسن فأعتقد أنه لم يوفق في رسم شخصية الدكتور توماس في مسرحية عدو الشعب.

أخر المقالات

منكم وإليكم