شخصيات مسرحية وفاة بائع متجول لأرثر ميلر بين استمراء الوهم ومعايشة الواقع


الحقيقة أنني سأقصر حديثي عن الشخصيات في هذه المسرحية على ويلي لومان وولديه بيف وهابي، ونرى كيف كانوا يتعاملون مع واقعهم؛ هل من خلال قبوله ومعايشته أو من خلال رفضه والعيش في الوهم والتخيلات؟
أما عن ويلي لومان الأب فإنه كان يعمل بائعا متجولا منذ شبابه، وكان لديه إحساس كبير بأنه يمتلك قدرات عظيمة يمكنه من خلالها أن يحقق نجاحا كبيرا في عمله، ويصبح صاحب شركة أو شركات، كما أنه كان يرى ولديه بيف وهابي لهما قدرات كبيرة هما أيضا، ويرى أنهما جديران بأن يقوما بأعمال مهمة، ويعتليا مناصب كبرى في العمل والمجتمع.
وحقيقة الأمر أن ويلي لومان شخص ذكاؤه عادي وقدراته محدودة، ويضاف لهذا أن الفرص التي أتيحت له في شبابه لم يستغلها لتحقيق الثراء، فلم يوافق أخاه بن للعمل معه في بعض غابات إفريقيا التي صار أخوه بن مالكا لها بعد ذلك.
وتطور الأمر بويلي لومان أن صار يعمل باليومية في الشركة التي كان مثبتا فيها، ويأخذ منها أجرا شهريا، ثم فصل منها لتراخيه في عمله.
وإزاء كل هذه الإحباطات التي واجهها ويلي لومان فإنه لا يسعه أن يعترف بالحقيقة في كونه ذا قدرات محدودة لا تؤهله لتحقيق الأحلام الكبرى التي كان يصبو لها، ولكنه يظل متمسكا بأوهامه، في أنه لا بد أن يكون هذا الرجل العظيم القدر الذي يتخيله، أو على أقل تقدير يصبح ولداه بهذه الصورة المتخيلة عنده.
وكان لا بد لويلي لومان مع تدرج سقوطه وسقوط ولديه أمامه أن يصاب بالمرض النفسي، وخلال مرضه النفسي يحدب نفسه، ويتذكر المواقف التي مرت عليه في الماضي، وأصابه فشل فيها، وكانت ممهدة للوضع الذي صار عليه في الحاضر، وقد تم تجسيد هذه المواقف التي يسترجعها ويلي لومان من الماضي، فصارت كأنها تحدث في اللحظة نفسها.
ومما زاد من رفض ويلي لومان للواقع الذي يعيشه أن صديقه تشارلي الذي بدأ معه بائعا صغيرا قد حقق نجاحا كبيرا، وصار صاحب سركة، وعرض عليه تشارلي أن يعمل في شركته بأجر كبير بعد علمه بفصله من الشركة التي كان يعمل فيها، ولكن ويلي لومان رفض تماما أن يعمل عنده؛ لكبره ولحقده عليه؛ لأنه صار في المكانة التي كان يرى نفسه فيها، ولكنه عجز عن تحقيقها.
وعلى الرغم من علم تشارلي بحقد ويلي لومان عليه وعلى ابنه المحامي الناجح فإنه كان يرغب في مساعدته دائما، لا سيما في إقراضه بعض النقود، ولم يكن ينتظر سداده لها تكرما منه، وإشفاقا على صاحبه من الحالة التى وصل إليها.
وحين تأكد ويلي لومان من استحالة تحقيق أحلامه القديمة، ومن عدم إمكانية استمراره العيش في أوهامه فإنه قرر الانتحار بطريقة يبدو من خلالها أنه لم يقتل نفسه، ولكنه تعرض لحادث؛ حتى تستفيد أسرته من مبلغ عشرين ألف دولار بوليسة تأمين على حياته، ولكن طريقة انتحاره كانت واضحة، ولم تبد كأنها حادث تعرض له؛ ولهذا فإنه فشل أيضا في أن يجعل من موته تحقيق أي نفع لأسرته.
أما الابن الأكبر لويلي لومان – وهو بيف – فإنه كان في صغره مقتنعا بأن أباه شخص عظيم، وسيصبح تاجرا كبيرا ومالكا لشركات عديدة، كما أوهمه والده بذلك، وكذلك كان يراه شخصا مثاليا في أخلاله، ولكنه صدم بوالده حين أتاه في أحد الفنادق في بوسطن، فاكتشف أنه يخون والدته مع عاملة الاستقبال في هذا الفندق؛ لتيسر له التعامل مع بعض العملاء.
وشيئا فشيئا اكتشف بيف أن والده نفخ فيه طموحا لا يتناسب مع قدراته، فأخذ يتدنى في الأعمال التى يعملها، حتى عمل راعي أغنام في الغرب الأمريكي، وسرق وسجن، وبعد أن خرج من السجن كان يلقي باللوم على والده الذي عرضه لهذا المصير بما بثه فيه من وهم عن قدرات كبيرة فيه لا أساس لها من الواقع، وتنتهي المسرحية بمراجعة بيف لنفسه، ورضائه عن قدراته المحدودة، ومحاولته التعايش بها، دون أن يستسلم للأوهام التي كان يبثها فيه والده من قبل.
أما عن الأخ الأصغر هابي فإنه رغم الظروف الصعبة التي تمر بها أسرته، والحال المزري الذي وصل إليه أبوه فإنه كان لا يزال يعيش في الوهم الذي بثه فيه والده بأنه سيكون شخصا عظيما؛ ولهذا كان يتعامل بكبرياء وتعال من كل من حوله، ولم يكن يحصل من وراء ذلك إلا على بعض المتع مع بعض الفتيات اللائي ينخدعن بتظاهره بالتعالي ويصدقنه في أوهام عظمته.

بقلم د. علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم