إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تتحول الذاكرة إلى مادة فنية
ثمة فنانون لا يكتفون بصناعة الأشكال، بل ينقبون في أعماق الذاكرة الإنسانية، ويستخرجون من الطين والحجر والصورة والأسطورة أسئلةً تتصل بالوجود والهوية والمنفى والزمن. ومن بين هؤلاء تبرز الفنانة التشكيلية والنحّاتة السورية المولد سيمون فتال (Simone Fattal)، التي انطلقت من دمشق، وعاشت تجارب ثقافية وفنية متعددة، لتصبح واحدة من الأسماء البارزة في المشهد الفني المعاصر، وصاحبة تجربة تتجاوز الحدود التقليدية بين النحت والرسم والأدب والفكر.
في أعمالها، لا يبدو التمثال مجرد كتلة مادية صامتة، ولا يتحول الطين إلى مادة زخرفية محضة؛ بل يغدو أثراً لحضارة بعيدة، وشاهداً على هشاشة الإنسان وقوته، ومحاولة لاستعادة ما تركه التاريخ من صور وأصوات وأساطير. إنها تجربة فنية تتجاور فيها الذاكرة الشرقية مع الأسئلة المعاصرة، وتلتقي فيها آثار الحضارات القديمة بحساسية الفنانة التي تنظر إلى العالم من موقع العبور بين الثقافات.
باريس تستعيد أكثر من خمسين عاماً من تجربتها الفنية
في خريف عام 2026، يعود اسم سيمون فتال إلى واجهة المشهد الفني الباريسي من خلال معرض استيعادي مهم ينظمه متحف الفن الحديث في باريس تحت عنوان «مدن في قاع بحيرة» (Des villes au fond d’un lac)، والمقرر إقامته من 18 أيلول/سبتمبر 2026 إلى 24 كانون الثاني/يناير 2027. ويجمع المعرض نحو مئة عمل تستعيد جوانب متعددة من مسيرتها، من لوحات المناظر الطبيعية الأولى إلى المنحوتات الخزفية والكولاج والأعمال الورقية، في مسار لا يعتمد التسلسل الزمني وحده، بل يتيح اكتشاف الروابط الفكرية والجمالية التي تجمع مراحل تجربتها المختلفة. ويحمل عنوان المعرض دلالة شعرية تفتح المجال للتأمل في المدن الغارقة بوصفها صورة للذاكرة المدفونة، وللحضارات التي غابت عن سطح التاريخ لكنها ظلت حاضرة في المخيلة الإنسانية. وفي هذا المعنى، يتقاطع العنوان مع عالم فتال الذي يستحضر الآثار والأساطير والأشكال القديمة، ويعيد تقديمها لا باعتبارها ماضياً مغلقاً، بل باعتبارها طبقات حية من التجربة البشرية. ويكتسب المعرض أهمية خاصة لأنه يسلط الضوء على فنانة ولدت في دمشق، ونشأت في لبنان، وعاشت تجارب المنفى والعمل الثقافي في الولايات المتحدة، ثم استقرت في باريس، من دون أن تتوقف عن بناء لغة تشكيلية مستقلة تتجاوز حدود الانتماء الجغرافي الواحد.
…..
ومن الأعمال التي تكشف عن قدرتها على الانتقال من القطعة المنحوتة إلى الفضاء المعماري والطبيعي، مجموعة «مقام» (Maqam I, Maqam II, Maqam III)، التي أنجزتها عام 2022 من الغرانيت، وعُرضت في صحراء الزبارة في قطر. وتتألف المجموعة من ثلاث منحوتات ضخمة، يبلغ ارتفاع كل منها نحو 3.4 أمتار، تستلهم أشكالها من عناصر يمكن أن تُقرأ بوصفها كثباناً رملية أو خياماً، فتجمع بين الإحالة إلى الطبيعة والإيحاء بالعمارة والذاكرة الثقافية للمكان. وتكشف هذه التجربة عن قدرة فتال على التعامل مع الحجر بوصفه مادة ذات ثقل مادي وبصري، وعلى إقامة حوار بين العمل الفني والبيئة المحيطة به، بحيث لا يعود المكان مجرد خلفية للمنحوتة، بل يصبح جزءاً من معناها وتجربتها الجمالية. وفي هذا السياق، تبدو أعمالها امتداداً لتأمل طويل في العلاقة بين الإنسان والأرض، وبين ما يصنعه الإنسان بيديه وما تتركه الطبيعة من أشكال وآثار. فالمنحوتة لا تفرض حضورها على المكان فحسب، وإنما تدخل معه في علاقة من التوازن والتجاوب، لتمنح المتلقي تجربة تتجاوز المشاهدة العابرة إلى الإحساس بالكتلة والمقياس والفراغ والزمن.
إن قراءة تجربة سيمون فتال تكشف عن فنانة لا تفصل بين الفن والفكر، ولا تتعامل مع التاريخ باعتباره مجموعة من الوقائع المنتهية، بل تراه مخزوناً من الصور والرموز والأسئلة القادرة على استعادة حضورها في كل عصر. وقد منحتها دراستها الفلسفية حساسية خاصة تجاه المعنى، فيما أتاح لها اشتغالها بالنشر والأدب الاقتراب من اللغة بوصفها وسيلة أخرى لبناء العالم، ثم جاء النحت ليمنح هذه الأسئلة أجساداً مادية تستقر في المكان وتقاوم التلاشي. وفي منحوتاتها الخزفية تحديداً، تتجاور هشاشة الطين وصلابة الذاكرة، ويصبح الاختزال وسيلة للكشف، والصمت لغة موازية للكلام، وتغدو الكتلة البسيطة قادرة على حمل دلالات تاريخية وإنسانية واسعة. ومن هنا تنبع فرادة تجربتها؛ فهي لا تسعى إلى إبهار المتلقي بالتفاصيل بقدر ما تدعوه إلى التأمل، ولا تقدم الماضي بوصفه نموذجاً ينبغي تكراره، بل تحوله إلى مادة للحوار مع الحاضر. خاتمة: سيمون فتال.. حين تستيقظ الذاكرة في هيئة منحوتة في عالم سيمون فتال، لا يبدو الطين مجرد مادة تستجيب ليد الفنان، ولا يبدو الحجر كتلة صامتة منفصلة عن تاريخ المكان، بل يتحول كلاهما إلى شاهد على رحلة الإنسان في الزمن، بما تحمله من فقدان وترحال وبحث متواصل عن المعنى. ومن دمشق، المدينة التي شهدت بدايات حياتها، إلى بيروت وباريس وكاليفورنيا، نسجت فتال تجربة فنية متعددة الجذور، استطاعت من خلالها أن تجعل من الذاكرة لغة تشكيلية، ومن الأسطورة أفقاً للتأمل، ومن الأثر القديم جسراً يصل الماضي بالحاضر. إنها فنانة تعيد اكتشاف الإنسان داخل المادة، وتمنح الأشكال المقتصدة قدرة على استحضار عوالم كاملة، مؤكدة أن الفن الحقيقي لا يقف عند حدود المرئي، بل ينفذ إلى ما وراءه، حيث تختزن الأرض حكاياتها، وتواصل الذاكرة كتابة تاريخها بأشكال لا تفقد قدرتها على الحياة. وبذلك تظل تجربة سيمون فتال شهادة على أن الفن، حين يتصل بالفكر والذاكرة والحرية، يستطيع أن يعبر الحدود والأزمنة، وأن يحول بقايا الماضي إلى حضور إنساني متجدد في قلب العالم المعاصر.
..
،،،،
دمشق، البدايات الأولى وتكوين الحسّ الفني
وُلدت سيمون فتال في دمشق عام 1942، ونشأت في لبنان، ضمن بيئة ثقافية ساهمت في تشكيل علاقتها المبكرة بالفن والأدب. وقد درست الفلسفة في بيروت، ثم تابعت دراستها في باريس بجامعة السوربون، كما ارتبط تكوينها باهتمامها بعلم الآثار والمتاحف، وهو ما انعكس لاحقاً على رؤيتها الفنية، وعلى الطريقة التي تعاملت بها مع التاريخ والرموز والأساطير.
لم تبدأ فتال مسيرتها بالنحت، بل بالرسم؛ ففي أواخر ستينيات القرن العشرين اتخذت من بيروت فضاءً لتجربتها التشكيلية الأولى. انشغلت بالطبيعة والمناظر والجبال والأشجار والبحر، وراحت تختبر إمكانات اللون والخط والتجريد، بحثاً عن لغة بصرية تعبّر عن تجربتها الداخلية وعن علاقتها بالمكان.
كان الرسم بالنسبة إليها أكثر من تدريب على تمثيل العالم المرئي؛ لقد كان وسيلة لاكتشاف الذات، وإعادة بناء العلاقة بين العين والذاكرة. ومن هذه البدايات تبلورت ملامح فنانة لا تتعامل مع الفن بوصفه حرفة مستقلة عن الحياة، بل بوصفه مساراً متواصلاً من القراءة والمشاهدة والتأمل والتجريب.
المنفى وتحولات المسار الإبداعي
لم تكن حياة سيمون فتال منفصلة عن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة. فقد دفعتها الحرب الأهلية اللبنانية عام 1980 إلى مغادرة بيروت والانتقال إلى كاليفورنيا في الولايات المتحدة، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياتها، اتخذت فيها الثقافة والكتابة والنشر موقعاً أساسياً.
وفي عام 1982 أسست دار النشر Post-Apollo Press، التي اهتمت بالأدب التجريبي والكتابات المبتكرة، وعملت على نشر أصوات أدبية ذات رؤى مستقلة. وقد أتاح لها هذا المشروع الاقتراب من اللغة بوصفها مادةً للإبداع، لا تقل أهمية عن اللون أو الشكل أو الملمس.
هكذا لم يكن ابتعادها المؤقت عن الممارسة التشكيلية انقطاعاً عن الفن، بل تحولاً في وسائله. فبين الكتابة والرسم والنشر، كانت فتال تواصل بناء عالمها الثقافي، وتوسّع مفهوم العمل الإبداعي ليشمل إنتاج المعرفة وإتاحة المجال للأفكار والأصوات الجديدة.
…
تحتل المادة مكانة مركزية في تجربة سيمون فتال. فالطين عندها ليس مجرد وسيط لتنفيذ نموذج مسبق، وإنما مادة ذات ذاكرة؛ تحمل في ملمسها آثار اليد، وفي سطحها تفاوتات تمنح العمل حضوراً حسياً، وفي كتلتها إيحاءً بأجساد وأرواح وشخصيات خرجت من زمن بعيد.
تستحضر منحوتاتها أشكالاً بشرية وحيوانية، وشخصيات تستدعي المحاربين والأبطال والكائنات الأسطورية. لكنها لا تسعى إلى إعادة إنتاج التماثيل القديمة على نحو أثري أو تقليدي، بل تعيد تخيّلها بلغة معاصرة، تختزل التفاصيل وتمنح الشكل قوة نابعة من بساطته وخشونته وتوازنه.
تبدو بعض أعمالها، للوهلة الأولى، وكأنها بقايا تماثيل اكتُشفت في موقع أثري مجهول؛ غير أنها ليست أطلالاً بالمعنى الحرفي. إنها كائنات مستقلة، تقف بين الماضي والحاضر، وتحتفظ بحضورها الخاص، حتى حين تستحضر عوالم اندثرت أو حضارات لم يبقَ منها سوى الأثر.
ومن هنا تتولد المفارقة الجمالية في أعمالها: فالشكل قد يبدو قديماً، لكن دلالته معاصرة؛ والمادة تبدو بدائية، غير أن رؤيتها تنطوي على أسئلة فلسفية عميقة تتصل بالهوية والوجود والفقد والتحول. وتمنح هذه المقاربة منحوتاتها قدرة على مخاطبة المشاهد خارج حدود الثقافة الواحدة أو الزمن الواحد.
الجسد بوصفه أثراً للزمن
لا تتعامل فتال مع الجسد بوصفه نموذجاً تشريحياً ينبغي تقليده بدقة، بل باعتباره علامة على الوجود الإنساني. ولهذا تظهر في أعمالها نزعة إلى الاختزال والتبسيط، مع الاحتفاظ بما يكفي من السمات كي يستعيد المشاهد صورة الإنسان أو الحيوان أو البطل الأسطوري.
إنها لا تبحث عن الكمال الأكاديمي المصقول بقدر ما تبحث عن التعبير الذي تمنحه الكتلة، وعن العلاقة بين الامتلاء والفراغ، والثبات والهشاشة، والسطح والأثر. وتصبح الخشونة أحياناً عنصراً جمالياً مقصوداً، لا نقصاً ينبغي إخفاؤه؛ إذ تسمح للمادة بأن تكشف عن طبيعتها، وعن المسافة الفاصلة بين الشيء وصورته المثالية.
في هذا السياق، يمكن قراءة منحوتاتها باعتبارها تأملاً في قدرة الإنسان على البقاء، رغم الحروب والهجرة وانهيار العوالم التي صنعها. فالتمثال لا يستعيد الماضي كما كان، بل يمنحه جسداً جديداً، ويعيد إدخاله في حوار مفتوح مع الحاضر.
رابعاً: الأسطورة والآثار… حوار بين حضارات المتوسط
…
خاتمة.. حين يصبح الفن أثراً للمستقبل
تقدم سيمون فتال نموذجاً لتجربة تشكيلية تتجاوز التصنيفات الجغرافية والحدود التقليدية بين الفنون. فهي رسامة ونحاتة وخزافة وناشرة، لكنها قبل ذلك فنانة تنصت إلى ذاكرة المادة، وتستخرج من الطين أشكالاً تبدو كأنها آتية من زمن سحيق، بينما تتحدث عن الإنسان المعاصر وأسئلته ومخاوفه وآماله. وفي عالم تتسارع فيه الصور وتتعاقب فيه الأحداث، تمنح أعمالها المتلقي فرصة للتأمل البطيء، ولرؤية ما يتبقى من التجربة الإنسانية حين تتراجع الكلمات وتتكلم الأشكال. ومن دمشق إلى باريس، تظل رحلتها شاهداً على قدرة الفن على عبور المنافي، وتحويل الذاكرة إلى لغة بصرية مشتركة، وصناعة أثر جديد لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يفتح أمامه أفقاً آخر في المستقبل…


