سيرة رجل دولة دمشقي:حقي العظم (1864-1955).في زمن الانتداب الفرنسي.- مشاركة: د.جمال العبد الله.

حقي العظم (1864-1955):
سيرة رجل دولة
في زمن الانتداب الفرنسي

د.جمال العبد الله

وُلد حقي ابن عبد القادر بك العظم في دمشق عام 1864، لعائلة دمشقية عريقة تعود جذورها إلى أعيان المدينة وتجارها وكبراءها. أسرة العظم معروفة في التاريخ السوري منذ القرن الثامن عشر، حين تولى أفراد منها ولاية دمشق في العهد العثماني، واشتهر منهم أسعد باشا العظم الذي بنى قصر العظم الشهير.

تلقى حقي تعليماً تقليدياً في مدارس دمشق، ثم أُرسل إلى إسطنبول حيث التحق بالمدرسة الإعدادية العسكرية، غير أنه لم يكمل المسار العسكري، بل انخرط في السلك الإداري والبيروقراطي في الدولة العثمانية. أتقن التركية والفرنسية إلى جانب العربية، وكان قارئاً نهماً ومتابعاً لحركة الإصلاح العثماني (التنظيمات).

ثانياً: مسيرته في العهد العثماني

شغل حقي العظم عدة مناصب إدارية في الدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى، منها:

· وظائف في ولاية سوريا: عمل في دوائر المالية والإدارة المحلية بدمشق.
· مدير ناحية في الأناضول: تنقل في عدة أقضية ونواحٍ ضمن أجهزة الدولة، مما أكسبه خبرة ميدانية في الإدارة.
تقلّب في مناصب حكومية بين دمشق والأستانة والقاهرة، وعُيّن مفتشاً للأوقاف عام 1909 .
· متصرف ووالي بالوكالة: شغل منصب متصرف (حاكم مقاطعة) في بعض المناطق، وكان من دعاة الإصلاح الإداري واللامركزية الموسعة ضمن الدولة العثمانية، متأثراً بأفكار جمعية الاتحاد والترقي في بداياتها الإصلاحية قبل انحرافها لاحقاً نحو التتريك والقومية الضيقة.
التحول للعروبة: استقال من “الاتحاد والترقي” لسياسة التتريك، وأسس حزب الإصلاح وجمعية اللامركزية في مصر (1911) .
كان ينتمي إلى جيل من المثقفين العثمانيين العرب الذين آمنوا بإمكانية إصلاح الدولة من الداخل، ومنح الولايات العربية حكماً ذاتياً موسعاً بدلاً من الانفصال عنها.
· حكم عليه جمال باشا بالإعدام (1916) لدعواته للامركزية، لكنه كان في مصر فنجا .

ثالثاً: الانعطافة الكبرى.. الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية

مع نشوب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ودخول الدولة العثمانية فيها إلى جانب ألمانيا، تغيرت المعادلات تماماً. انهارت السلطنة، ودخلت الجيوش العربية بقيادة الشريف حسين بالتحالف مع بريطانيا إلى دمشق عام 1918.

بعد انتهاء الحكم العثماني، تشكلت حكومة عربية مؤقتة برئاسة الأمير فيصل بن الحسين، وأُعلنت المملكة العربية السورية في اذار 1920. شارك حقي العظم في هذه المرحلة كمستشار إداري، لكنه لم يكن من الشخصيات القيادية في الحكومة الفيصلية.

رابعاً: دخوله مرحلة الانتداب

في تموز 1920، هزم الجيش الفرنسي القوات العربية في معركة ميسلون، ودخل دمشق، وأسقط المملكة العربية السورية، وفرض الانتداب الفرنسي رسمياً بقرار من عصبة الأمم.

وهنا يبدأ الفصل الأكثر جدلاً في حياة حقي العظم:

  1. رئاسة دولة دمشق (1920-1922)

عقب احتلال دمشق، وحمل اهل دمشق لسيارة الجنرال غورو على الاكتاف لجأت سلطات الانتداب إلى تقسيم سوريا إلى دويلات صغيرة: دولة دمشق، دولة حلب، دولة جبل الدروز، ودولة العلويين لاحقاً. عيّن الفرنسيون حقي العظم رئيساً لحكومة “دولة دمشق”، وكانت صلاحياته محدودة وتخضع بالكامل لإشراف المفوض السامي الفرنسي ومندوبيه.
· الإنجازات الإدارية: أنشأ نقابة المحامين، نظم مهنة الصيدلة، وأنشأ لواء حوران، واستحدث دار إفتاء .
· حادثة القنيطرة (1921): أُصيب بعدة رصاصات خلال محاولة اغتيال المندوب السامي غورو، حيث حماه بجسده مما عزز ثقة فرنسا به

  1. رئاسة الاتحاد السوري (1922-1924)

في محاولة لإعادة تجميع الدويلات تحت مظلة واحدة -مع بقاء السيطرة الفرنسية- أنشأت سلطات الانتداب “الاتحاد السوري” الذي ضم دمشق وحلب ودولة العلويين لفترة وجيزة. تولى حقي العظم رئاسة مجالس هذا الاتحاد ، وكان المنصب شرفياً في معظم صلاحياته، لأن القرارات الجوهرية بقيت بيد الفرنسيين.

  1. رئاسة الوزراء في العهد الجمهوري (1932-1934)

بعد إقرار دستور 1930 وانتخاب محمد علي العابد رئيساً للجمهورية (وهو شخصية مقربة من الفرنسيين)، عاد حقي العظم ليشكل الحكومة عام 1932. واجهت حكومته أزمات اقتصادية حادة، واحتجاجات شعبية قادتها الكتلة الوطنية ضد الامتيازات الأجنبية (مثل احتكار شركة الكهرباء) وسياسات الانتداب. استقالت حكومته عام 1934 تحت ضغط الشارع والمعارضة الوطنية المتنامية.

خامساً: بين المعارضة والتبرير

موقف الحركة الوطنية منه:

اعتبرته الكتلة الوطنية بزعامة هاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش وغيرهم أحد رموز “حكومات التعاون” التي تمنح الانتداب غطاءً وطنياً. نددت به الصحف الوطنية، واتهمه خصومه بأن وجوده في الحكم سهّل على الفرنسيين تمرير سياساتهم التقسيمية والاقتصادية.

موقفه هو من نفسه:

لم يترك حقي العظم مذكرات مطولة، لكن موقفه في تلك المرحلة يمكن استخلاصه من محاضر جلسات الحكومات التي ترأسها: كان يرى أن مقاطعة العمل السياسي والإداري ستفضي إلى حكم عسكري فرنسي مباشر أشد وطأة، وأن دخول أبناء البلد في مؤسسات الحكم ولو تحت سقف الانتداب يحفظ ما يمكن حفظه من كيان الدولة، ويبقي على كادر إداري سوري مدرَّب يمكن البناء عليه لاحقاً عند نيل الاستقلال.

سادساً: إنجازاته وسلبياته باختصار

ما يمكن أن يُحسب له:

· تنظيم بعض الدوائر الحكومية والإدارية في دمشق وإرساء نواة جهاز بيروقراطي حديث.
· محاولة الإبقاء على الحد الأدنى من مظاهر الدولة السورية في وجه التقسيم الفرنسي.
· تقديم نموذج عن سياسي مدني في زمن كانت البدائل فيه إما مقاومة مسلحة أو عزوفاً كاملاً.

ما يُؤخذ عليه:

· شرعنة وجوده تحت سقف الانتداب ومنحه غطاءً إدارياً سورياً.
· العجز عن تحقيق أي مكسب وطني حقيقي (لا استقلال ولا وحدة ولا سيادة).
· المشاركة في مرحلة التفتيت التي سبقت الثورة السورية الكبرى عام 1925، حتى لو لم يكن هو صانعها المباشر.

سابعاً: السنوات الأخيرة والوفاة

بعد استقالته عام 1934، اعتزل حقي العظم العمل السياسي الفاعل، وابتعد عن الأضواء. عاش في دمشق متفرغاً للكتابة والمطالعة بعد تقاعده عام 1938، انتقل إلى القاهرة لإدارة أملاكه .
، وشهد من بعيد مسيرة النضال الوطني التي قادتها الكتلة الوطنية، ثم إنجلاء الفرنسيين عن سوريا واستقلالها التام عام 1946.
توفي في القاهرة عام 1955 التي اقام فيها منذ تقاعده عن عمر ناهز الواحد والتسعين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً لا يزال مثار جدل بين المؤرخين.

خلاصة متوازنة:

حقي العظم لم يكن وطنياً مقاوماً، وهذا واضح. لكنه لم يكن أيضاً عميلاً خائناً بالمعنى المباشر، بل كان رجل دولة وإصلاحيًا من المدرسة العثمانية، وُضع في مفترق طرق صعب، فاختار العمل تحت سقف الانتداب الفرنسي، إما عن قناعة بالتدريج والإصلاح المؤسسي، أو اضطراراً أمام غياب الخيارات.

هذا الاختيار وضعه تاريخياً في معسكر “المتعاونين” في نظر الحركة الوطنية السورية، وهو توصيف لا يمكن دحضه. فهو مشارك في مسؤولية إخفاقات مرحلة الانتداب كلها، علما أن السلطة الفعلية كانت في يد المفوض السامي الفرنسي، و صلاحيات الحكومات السورية آنذاك كانت محدودة للغاية.

أصدق وصف له: “سياسي تعامل مع الاحتلال، فأعطاه غطاءً إدارياً، فتحمل نصيباً من مسؤولية إخفاقات تلك المرحلة، دون أن يكون المسؤول الوحيد عنها، ودون أن يُنظر إليه في الذاكرة الوطنية كمناضل في سبيل الحرية”.

بقي حقي العظم حتى النهاية شخصية رمادية في تاريخ سوريا الحديث، تعكس مأساة جيل وُضع بين المطرقة والسندان: مطرقة الاحتلال الأجنبي، وسندان العجز عن مواجهته.
وحالته تشبه حالات اغلب رؤساء الوزارة السوريين الذين حكموا سوريا في زمن حافظ الاسد وابنه منذ عام 1970حتى عام 2024.

أخر المقالات

منكم وإليكم