وفرة في مبدعي الفن التشكيلي ؛ وندرة في النقاد لأسباب عدة..وآخر هؤلاء النقاد الجادين الزاهدين الكبار هو سمير غريب الذي غادرنا منذ أيام .. هذا هو موضوع مقالتي الأسبوعية (انطباعات فنية)
بقلم حزين عمر
سمير غريب ..آخر الصحفيين التشكيليين الكبار!!
– هذه المهنة منبع ثر ؛ وحاضنة دافئة ؛ لقادة الرأي والعلم والفكر والفن ..في مصر الحديثة ترى كبار الساسة والعلماء والأدباء والفنانين ينتمون لمهنة الصحافة ..هم مؤسسوها أو روادها أو أبناؤها ..ابتداء من رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك – رئيسي تحرير الوقائع المصرية – ثم عبدالله النديم ومحمد عبده ومصطفى كامل ومحمد فريد ..ثم مصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي وأمين وعبد الرحمن الرافعي ..ثم طه حسين ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى وعباس العقاد ولويس عوض وحسين بيكار وعبد الرحمن الخميسي ومصطفى حسين وطوغان وتوفيق الحكيم ومحمد سلماوي وسعيد عبدالغني ومحمد قابيل ..و..و..وهنالك خيط بعينه لتخصص دقيق ؛ احتضنته هذه المهنة العظيمة – أيام عظمتها!!- هو نقد الفن التشكيلي..وقدمت أصواتا وأقلاما ثرية في هذا المجال الذي قد لا يستهوي الكثيرين ..ربما لقلة جماهيره ؛ وربما لعدم إدراك الفنانين التشكيليين أنفسهم لأهميته؛ وربما لافتقاده لبريق (النقد الفني) المتعلق بالسينما والمسرح والموسيقى والغناء ؛ وربما لتلوث البيئة التشكيلية بصراعات صغيرة ؛ ومعاناة بعضهم من مشاعر النرجسية التي تجعل كلا – من هذا البعض – يظن نفسه المبدع الخالد الوحيد والآخرين أشباه فنانين وأنصاف مبدعين !! بدون جدوى!!
هذا المجال الدقيق ؛ غير المجدي : شهرة وثروة ؛ والأميل إلى الظل والزهد والتبتل ؛ لم تهمله مهنة الصحافة ..وأفردت له مساحات برزت من خلالها أقلام مؤثرة في نصف القرن الأخير.. وعبر ثلاثة أجيال متتالية ومتزامنة معا من أعضاء نقابة الصحفيين..يمكن أن ترى أولها متمثلا في محمد صدقي الحباخنجي (١٩١٠-١٩٩٣) ؛ ثم معاصره التالي له زمنا أو عمرا : كمال الجويلي (١٩٢١-٢٠١٦) ويلحق بهما من الجيل التالي لهما : د.صبحي الشاروني (١٩٣٣-٢٠١٤) ..ثم الجيل الثالث المتجسد في سمير غريب (١٩٥٤-٢٠٢٦) . وهو آخر الراحلين عن عالمنا منذ أيام . عرف الحباخنجي مبكرا طريقه للصحافة ؛ مدركا أهميتها في الوصول إلى الناس . فأصدر مجلة (صوت الفن) عام ١٩٥٠ ..وكان قد أسس قبلها تجمعا للفنانين هو(المجمع المصري للفنون الجميلة) عام ١٩٣٣ ..وهو خريج الفنون الجميلة..وظل مخلصا للفن : إبداعا ونقدا طوال حياته..لكن بصمته الأبرز في تقديم الفنانين وتقويم المبدعين وتقريبهم إلى المتلقي غير نقده التشكيلي؛ الذي أفاد الحركة الفنية وأثراها ؛ ربما أكثر من عطائه الإبداعي!! ..وكان قد شهد القدوة والمثل أمامه في كتاب كبار ؛ عرجوا على النقد التشكيلي وهم كذلك صحفيون ..أمثال : د.محمد حسين هيكل وإبراهيم المازني وعباس العقاد ..وينتمي مصطفى كمال محمد الجويلي لجيل الحباخنجي ؛يصغره بحوالي عشر سنين ..وهو دارس للفن أكاديميا ..وعمل بصحف الأهرام والمساء وغيرهما ..كما امتد تأثيره إلى الأقطار العربية الخليجية التي عمل ببعضها..ويطلق عليه المثقفون صفة (شيخ النقاد) ..كما كان رئيسا للجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي. أما الجيل الثاني من هؤلاء الزاهدين المخلصين للفن ؛ فيمثله د.صبحي الشاروني ؛ الحريص على التعلم والتثقف حتى نهايات عمره ..بحيث نال شهادة الدكتوراه وهو فوق الستين !!
ومع مقالاته التشكيلية في (المساء) أنجز كتبا مرجعية مهمة ؛منها:(فن النحت في مصر القديمة وبلاد ما وراء النهرين) ..كما أشرف على كتاب/مشروع عن الفن التشكيلي الحديث والمعاصر في مصر..مع سيرة حياة ٢٧٠ فنانا مصريا من بداية القرن العشرين إلى عام ١٩٨٥ ؛ بتكليف من الجامعة العربية ..وقد صدر هذا الكتاب عام ١٩٨٨.
موقف..مع سبق الإصرار!!
آخر هذه الحلقة الذهبية ؛ قد انطفأ مؤخرا: سمير غريب ؛ الذي اختار بمحض إرادته هذا الطريق الصعب..فهو ليس دارسا أكاديميا للفن التشكيلي كالجباخنجي والشاروني والجويلي ..هو خريج كلية الإعلام ..ولو كان قد اتجه إلى تخصصات صحفية أخرى ؛ لكان أجدى ماديا له : التحقيقات ؛ الحوادث؛ السياحة ؛ الاقتصاد ..!!هو رجل صاحب موقف مع سبق الإصرار..واعتزم السير في الطرق غير المعبدة منذ بداياته..ولم ينتظر عائدا ماديا ما..وقد عهدته هكذا في معرفة بيننا وزمالة امتدت سنين طويلة..تزاملنا خلالها في مجلس إدارة اتحاد الكتاب – أيام مجده ؛ قبل انطفائه!!- حينما كان برفقتنا في المجلس – أو كنا نحن برفقة: حمدي الكنيسي وأحمد مرسي ووحيد حامد وفاروق شوشة وفاروق خورشيد وأحمد عمر هاشم ومحفوظ عبدالرحمن وجمال الغيطاني ومحمد سلماوي وإبراهيم عبدالمجيد ومدحت الجيار ويسر السيوي وأسامة ابوطالب وعبد العال الحمامصي وحامد أبو أحمد وحسين الشاعر وصلاح السروي..وإذا شئت أن تعرف سمير غريب الناقد التشكيلي ؛ فلا تلتفت إلى الكلمات التعريفية السريعة التي كان يكتبها في الأخبار – حيث يعمل – بل يمكنك العودة إلى مقالاته الرصينة والتحليلية في مجلتي المستقبل بباريس والكواكب وجريدة الحياة اللندنية منذ السبعينيات..وقد جمعها في سلسلة كتب تحمل عنوان:(كتابات) ..منها بين يدي الآن (كتاب الفن) الصادر عن مكتبة الأسرة ٢٠٠٣ .. كان حينها مقيما في روما..وبعد الخبر المؤسف بوفاته مؤخرا ..وبعد مجالدة للمرض ؛ وعف للنفس عن الشكوى والتألم ؛ أردت أن أعود إلى بعض كتبه المهمة ؛ فخجلت من نفسي وأنا أراه يرسل لي كتابه الضخم هذا – ٤٦٠صفحة – بإهداء رائع مذيل بتاريخ ٢٠٠٤ ..ويعتذر لي أنه لم يقدمه بنفسه مباشرة لإقامته في روما!! وللأسف لم انتبه حينها لا للكتاب ولا للإهداء !! وبعد لقائنا وزمالتنا لسنوات بمجلس إدارة اتحاد الكتاب ؛ لم يسألني عن كتابه ؛ ولم يحرجني باستيضاح انطباعي عنه !! كما كنا نفعل جميعا لمن نهدي إليهم كتبنا ؛ قبل توبتنا عن هذه العادة السيئة!!
الكتاب قيم وثري ..وهو معرض مفتوح لمئات الأعمال وعشرات التشكيليين من مصر والعراق وسوريا والصين وأوربا وغيرها ..ومن أجيال شتى : آدم حنين ؛ رمسيس يونان ؛ محيي الدين حسين؛ فاروق حسني ؛ نادية الكرداني ؛ جورج البهجوري؛ مارك شاجال؛ حامد عبدالله ؛ فرانسيس باكون؛ نازلي مدكور؛ فرغلي عبدالحفيظ.. وغيرهم ..ولم تغب القضايا التشكيلية والثقافية الكبرى عن هذا السفر الثمين ؛ من العلاقة بالتراث ومفاهيم التجديد والتأثير والتأثر ؛ حتى قضية (تحريم الفن) على ألسنة بعض الجهلاء الجامدين الذين مازالوا يعيشون بيننا وهم أموات وخشب مسندة !! ولا يريدون لأنفسهم الحياة ؛ بل يريدون لنا نحن أن نموت ميتتهم العميقة!!
……..
المصدر: جريدة المساء


