أحبيبتي:
إنّي لأعلنُ أن ما في الأرض من عِنَبِ وتينْ حقُّ لكلّ المُعْدَمينْ
وبأنَّ كلَّ الشِعْرِ.. كلَّ النثرِ..
كلَّ الكُحْلِ في العينيْنِ..
كل العشب.. كل الياسمين حقٌّ لكل الحالمينْ ..
كُوني معي..
ولسوفَ أعلنُ أن شمسَ اللهِ..
تشبه فى استدارتها رغيف الجائعين
ولسوفَ أعلنُ دونما حَرَجٍ
بأنَّ الشِعرَ أقوى من جميع الحاكمينْ..
نزار قباني
هذا العمل واحدٌ من تلك الأعمال التي لا تُنجَز باليد وحدها،
بل تُنحَت من الذاكرة… ومن الوجدان… ومن أثر شاعرٍ ما زالت كلماته تسري في دمنا منذ الطفولة.
فنزار قباني لم يكن يوماً مجرّد شاعر؛
كان نافذةً فتحنا بها قلوبنا على اللغة،
وكان الطريق الذي قادنا إلى الحلم،
والمرآة التي رأينا فيها أنفسنا كما لم نرَ من قبل.
ولأن نزار يسكن في ذاكرة الجميع، دعوتُ الأصدقاء إلى اختيار المقاطع الأقرب إلى أرواحهم،
لأصوغ من أصواتهم ومن حنينهم هذا البورتريه،
وكأننا جميعاً نعيد كتابة ملامحه معاً.
وهكذا غدا وجهه مشكَّلاً من حروفه،
وروحه مطبوعةً في كل ظلٍّ ونور،
تماماً كما قال:
«كلُّ الدروبِ أمامَنا مسدودةٌ…
وخلاصُنا في الرسمِ بالكلمات.»
نزار… كما يتجلّى في حُبّه وفلسفته وصوته الداخلي
نزار العاشق… صاحب الخيال الملوكي الذي لم يحتج يوماً إلى تاج، حين قال:
«لم أكُن يوماً مَلِكاً
ولم أَنْحدِر من سُلالاتِ الملوك
غير أن الإحساسَ بأنّكِ لي …
يُعطيني الشعورَ
بأنني أبسطُ سُلطتي على القارّاتِ الخمس
وأسيطرُ على نزواتِ المطر، وعَرَباتِ الريح
وأمتلكُ آلافَ الفدادين فوق الشمس…
وأحكمُ شعوباً لم يحكمْها أحدٌ قبلي…
وألعبُ بكواكبِ المجموعة الشمسية
كما يلعبُ طفلٌ بأصداف البحر…
لم أكنْ يوماً مَلِكاً ولا أريد أن أكونه
غير أنّ مجرّدَ إحساسي
بأنكِ تنامين في جوفِ يدي…
كلؤلؤةٍ كبيرة…
يجعلني أتوهّم…»
ونزار الفيلسوف… الذي رفع المعنى إلى السماء حين قال:
«أحبكِ… حتى ترتفعَ السماءُ قليلاً.»
ونزار الإنسان… الذي خاطب الأجيال الجديدة بصرخةٍ تُشبه زمنه وزمننا معاً:
«نريدُ جيلاً غاضباً…
نريدُ جيلاً يفلحُ الآفاق
وينكشُ التاريخَ من جذوره…
وينكشُ الفكرَ من الأعماق
نريدُ جيلاً قادماً…
مختلفَ الملامح…
لا يغفرُ الأخطاء… لا يُسامح…
لا ينحني…
لا يعرفُ النفاق…
نريدُ جيلاً…
رائداً…
عملاقاً…»
الخريطة… حين يتحوّل المكان إلى شعر
سوريا
وجعلتُ على أرضها القصائد الدمشقية التي كتبها نزار،
القصائد التي تفوح بعطر الياسمين وذاكرة البيوت القديمة:
من القصيدة الدمشقية:
«هذي دمشقُ… وهذي الكأسُ والراحُ…»
ومن مذكّرات عاشقٍ دمشقي:
«فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهرِ الهُدْبا…
فيا دمشقُ… لماذا نبدأُ العَتْبا؟»
جزء من خريطة العراق،
حيث تستقرّ قصيدة بلقيس،
امرأة العراق التي حملت في رحيلها وجع أمةٍ كاملة: بلقيسُ ..
كانَتْ أجمل الملِكاتِ في تاريخ بابِلْ
بلقيسُ..
كانتْ أطولَ النخلاتِ في أرض العراقْ كانتْ إذا تمشي ..
ترافقُها طواويسُن..
وتتبعُها أيائِل ..
بلقيسُ.. يا وَجَعي..
ويا وَجَعَ القصيدةِ حينَ تلمسُها الأنَامِلْ
هل يا تُرى..
من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُ السنابلْ ؟
ووصفها بأمواج دجلة
وقال يخاطبها:
«يا من تحدّيتِ النجومَ ترفّعاً…
من أين جئتِ بكلِّ هذا العنفوان؟»
وغرباً لبنان،
حيث كتب نزار عن الحب الذي يجري كالهواء في شوارع بيروت:
«فإنَّ الحبَّ في بيروتَ مثلُ الله…
في كلِّ مكان.»
فلسطين،
التي صلّى لها بشِعره:
«يا قدسُ، يا مدينةً تفوحُ أنبياء…
يا أقصرَ الدروبِ بين الأرضِ والسماء.»
وبشّرها بيوم الفرح:
«غداً سيزهرُ الليمون…
وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون…
وتضحكُ العيون…»
البحر غرباً
حيث الوحشة، والبرد، وقسوة المنفى.
هناك وضعتُ قصيدة رثاء توفيق:
«لأيِّ سماءٍ نمدُّ يدينا؟
ولا أحداً في شوارعِ لندنَ يبكي علينا…»
وإلى جانبها وضعتُ قصيدته التي كتبها لأمّه،
المشبعة بوجع الاغتراب:
«مضى عامانِ يا أمي… على الولدِ الذي أبحر
برحلتهِ الخرافية…
وخبّأ في حقائبهِ
صبغَ البلادِ الأخضر
وأنجمَها… وأبحرَها…
وكلَّ شقيقِها الأحمر.»
همسه العالق بين الماء والهواء:
«إني أتنفس تحت الماء…
إني أغرقُ… أغرقُ… أغرقُ.»
إهداءٌ إلى سوريا…
أُهدي هذا العمل إلى الشبكة السورية (SyrAN)
Syrian American Network
احتفاءً ببداية عهدٍ جديدٍ لسوريا…
عهدٍ تُضَمَّد فيه الجراح
وتُستعاد فيه الأرواح
وينهض فيه الياسمين من شقوق دمشق وربوع سوريا
وأنا ابنةُ السودان،
أقول إنّ الشعوب التي فقدت الاستقرار لم تفقد كرامتها،
والأوطان التي عانت لا تنكسر،
والوطن الذي يُحاصَر… ينهض.
والسودان سينهض.
سينتصر الحق.
وسيبقى أهله كما كانوا دائماً:
أقوى من المحن،
وأثبت من الريح،
وأكرم من كل محاولات كسرهم
أخيراً
يضمّ هذا العمل عشرات المقاطع من شعر نزار،
وكانت أصعب خطواته أن أختار من شاعرٍ هو بحرٌ بلا حدود.
فكلُّ بيتٍ عنده كونٌ من الضوء،
وكلُّ قصيدةٍ عمر.
ولهذا ظلّ العمل يتّسع…
كما يتّسع نزار…
ولا ينتهي..


