سلمى مندور
“لقد طال الأمد ومصر تدرّس على أيدي الغرباء، حتى خُيِّل لنا أن تاريخنا ملك لهم دوننا، فجئتُ لأثبت أن المصري يستطيع أن يكتب تاريخه بعلمه هو، لا بلسان غيره”، ” ليس غرضي أن أُنافس أحدًا، بل أن أُعيد إلى المصري إحساسه بأنه وريث حضارة لا تُقاس بالعمر، بل بالبقاء”، ” سيأتي يومٌ يتكلم فيه الحجر من تلقاء نفسه، وسيفهم الناس أن الحضارة لا تُكتشف، بل تُستيقظ من نومها الطويل”،” كنت أعمل في صمت الرمال تصمت معي، ثم تبوح لي بسرٍّ لم تبح به لغيري”، ” كل حجر نزيحه من الرمل يردّ علينا التحية بلغته القديمة، لا صمت في الصحراء لمن يعرف كيف يسمع”.
من الأقوال الخالدة لعميد الأثريين المصريين سليم حسن التي دونها في موسوعته مصر القديمة.
لنتعرف أكثر على العلامة سليم حسن ومساهماته في مجال الكشف الأثري.
● نشأته
ولد سليم حسن في 15 أبريل 1886م بقرية ميت ناجي التابعة لمركز ميت غمر محافظة الدقهلية بمصر، وقد توفى والده وهو صغير فقامت أمه برعايته التي أصرت على أن يكمل تعليمه.
● حياته العلمية
بعد أن أنهى سليم حسن مرحلة التعليم الابتدائية والثانوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1909م التحق بمدرسة المدرسين العليا، وكان أحد تلامذة رائد علم المصريات أحمد كمال باشا، ثم اختير لإكمال دراسته بقسم الآثار الملحق بهذه المدرسة لتفوقه في علم التاريخ وتخرج منها في عام 1913م.
عمِل سليم حسن مُدرسًا للتاريخ بالمدارس الأميرية، ثم عُيِّن بعدها في المتحف المصري في عام 1921م بعد ضغطٍ من الحكومة المصرية ممثلة في أحمد شفيق باشا وزير الأشغال؛ حيث كانت وظائف المتحف المصري حكرًا على الأجانب، وهناك تتلمذ على يد العالِم الروسي جولنسيف.
في عام 1922م سافر سليم حسن إلى أوروبا برفقة أحمد كمال باشا لحضور احتفالات الذكرى المئوية لعالم الآثار الفرنسي شامبليون؛ حيث زار فرنسا وإنجلترا وألمانيا، وخلال تلك الفترة كتب العديد من المقالات الصحفية التي تناول من خلالها قضية سرقة الآثار المصرية لعل أبرزها رأس نفرتيتي الموجودة في برلين.
في العام 1925م تمكن أحمد كمال باشا من إقناع وزير المعارف زكي أبو السعود بإرسال بعض المصريين للخارج لدراسة علم الآثار، وكان من بينهم سليم حسن الذي سافر في بعثة إلى فرنسا، والتحق بقسم الدراسات العليا بجامعة السوربون، وحصل على دبلوم اللغات الشرقية واللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) من الكلية الكاثوليكية، كما حصل أيضًا على دبلوم الآثار من كلية اللوفر، وأتم بعثته عام 1927م بحصوله على دبلوم اللغة المصرية ودبلوم في الديانة المصرية القديمة من جامعة السوربون.
وعند عودته ألحقه الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، بالمجال الجامعي ليصبح أستاذًا في التاريخ القديم بجامعة فؤاد الأول _ جامعة القاهرة حاليًا، وفي عام 1928م أشترك سليم حسن مع عالم الآثار النمساوي يونكر في أعمال الحفر والتنقيب في منطقة الهرم، سافر بعدها إلى النمسا وحصل هناك على الدكتوراه في علم الآثار من جامعة فيينا.
● اكتشافاته الآثرية
في العام 1929م بدأ سليم حسن أعمال التنقيب الأثرية في منطقة الهرم لحساب جامعة القاهرة؛ حيث كافح لنيل موافقة رسمية من إدارة الجامعة، ولتكون تلك المرة الأولى التي تقوم فيها هيئة علمية منظمة أعمال التنقيب بأيد مصرية، وكان من أهم الأكتشافات التي نتجت عن أعمال التنقيب مقبرة (رع ور) وهى مقبرة كبيرة وضخمة وجد بها العديد من الآثار.
وفي عام 1930م اكتشف تسعة عشر مصطبة أخرى، وجدران فناء الملك تحتمس الرابع عند سفح أبي الهول، وفي عام 1931 اكتشف هرم الملكة (خنت كاوس) وثمانية مقابر أخرى، بخلاف اثنين وثلاثون مصطبة جديدة، بالإضافة إلى قيامه بنشر اكتشافاته باللغة الإنجليزية.
استمر سليم حسن في أعمال التنقيب في منطقة أهرامات الجيزة وسقارة حتى عام 1939م، اكتشف خلال تلك الفترة حوالي مائتي مقبرة أبرزهم:
مقابر أولاد الملك خفرع، و معبد الوادى الخاص بخفرع، ومقابر الكهنة في سقارة، والتي احتوت على نصوص من أقدم فصول كتاب الموتى وكُشف خلالها أسرار الطقوس الجنائزية الملكية، بالإضافة إلى مئات القطع الأثرية والتماثيل، ومراكب الشمس الحجرية للملكين خوفو وخفرع، و 159 مصطبة من الدولة القديمة في الجبانة الشرقية بالجيزة، وبقايا مدينة العمال بناة الأهرام، التي غيّرت النظرة الغربية بأنهم عبيد، وأثبتت أنهم عمال مهرة يعيشون في نظام دقيق.
● موسوعة مصر القديمة
لعل أبرز أعماله هي موسوعة مصر القديمة، التي بدأ سليم حسن في العمل عليها وهو في الرابعة والخمسين من عمره بعد إحالته للمعاش عام 1940م وحتى وفاته عام 1961م، والتي تكونت من 16 جزءًا أضيف لها فى طبعة مكتبة الأسرة ضمن مهرجان القراءة للجميع لعام 2000م جزئين إضافيين، وتتناول الموسوعة شرحًا دقيقًا عن مراحل الحضارة المصرية منذ عصور ما قبل الأسرات إلى قرب نهاية العصر البطلمى، وبهذا تُعد الموسوعة الوحيدة المتكاملة فى التاريخ المصرى القديم التى وضعها وألفها عالم واحد بمفرده.
● الجوائز والأوسمة
– جائزة إسماعيل صبري باشا للآثار المصرية عام 1928.
– جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1959.
– وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1960.
● وفاته
في 30 سبتمبر 1961م انتقل إلى الرفيق الأعلى سليم حسن الرجل الذي طالما اعتبر أحد أعلام المصريين في عِلم الآثار وعلم الحفائر وإدارة المواقع التراثية في مصر، وهو في الخامسة والسبعين من عمره تاركًا خلفه منهجًا علميًا في علم المصريات خط بأيدي مصرية، متمثل في موسوعته والعديد من الدراسات والنشر العلمي لاكتشافاته بعدة اللغات، التي تم اعتمادها مصدرًا أساسيًا ليس فقط في مصر، بل في جميع أرجاء العالم من الباحثين في علم المصريات والراغبين بالمعرفة بهذا المجال، وقد قال عنه المؤرخ وعالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد: “لو امتلكت مصر عشرة من أمثال سليم حسن، لتغير وجه علم المصريات إلى الأبد”.
******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت


