بقلم البروفيسورة روحيه الشريف
نلتقي كثيراً بشخصيات تأسرنا بحضورها، تسرق الأضواء بحديثها، وتشعرنا في البداية أننا وجدنا “الشخص المثالي في حياتنا”. لكن مع مرور الوقت، يتحول هذا البريق إلى استنزاف لمشاعرنا وطاقتنا. نحن هنا بصدد فتح ملف “الشخصية النرجسية” بكل أبعادها. في هذه السلسلة من المقالات، سنغوص في كواليس حياتهم، نفهم كيف يفكرون، لماذا يتصرفون بهذه القسوة، والأهم من ذلك؛ كيف نحمي أنفسنا ونعالج الندوب التي يتركونها في حياتنا في كل المجالات؟
سنضع بين ايديكم الأدوات والحلول العلمية والعملية في حلقات متتالية لنصل معاً إلى بر الأمان النفسي.
*المقال الأول: “صناعة الوهم.. خلف قناع المثالية المزيّف”*
يعتقد الكثيرون أن النرجسي هو شخص “يحب نفسه زيادة عن اللزوم”، ولكن الحقيقة الصادمة هي أن النرجسي يكره نفسه الحقيقية لدرجة أنه صنع لنفسه “ذاتاً مزيفة” براقة ليصدقها العالم.
1. كيف يبدأ الفخ؟
في البداية، لن تجدي شخصاً ألطف أو أكثر كرماً واهتماماً من النرجسي. هذه المرحلة تُسمى “Love Bombing” أو قصف الحب. يغرقكِ بالمديح، الهدايا، والوعود، ويشعركِ أنكِ “توأم روحه”. هذا ليس حباً، بل هو “طُعم” لضمان ولائكِ وتعلّقكِ قبل أن يبدأ الوجه الآخر بالظهور.
2. الهوس بالصورة الذهنية
النرجسي يعيش من أجل “المرآة”. يهمه جداً كيف يراه الناس (ناجح، قوي، مثالي، متدين، أو حتى ضحية مثيرة للشفقة). هو لا يهتم بجوهر العلاقات بقدر ما يهتم بما تضيفه هذه العلاقات لبرستيجه الشخصي.
3. الشعور بالاستحقاق المطلق
يرى النرجسي أن القوانين العادية لا تنطبق عليه. هو يستحق معاملة خاصة، ويستحق أن يُسمع له دائماً، بينما مشاعر الآخرين واحتياجاتهم هي مجرد “إزعاج” أو أمور ثانوية.
*طرق الحل والعلاج (للنقطة الأولى)*
عندما نكتشف أننا أمام “قناع مثالي” وليس شخصية حقيقية، كيف نتصرف؟
*أولاً: الوعي بالنمط (الحل النفسي لكِ)*
لا تنخدعي بالبدايات: إذا كان الشيء يبدو “أجمل من أن يكون حقيقياً”، فهو غالباً كذلك. تعلمي التريث في الحكم على الأشخاص.
*تحطيم الصنم: ابدئي في رؤية النرجسي كإنسان مليء بالعيوب والنقص، وليس كالصورة الأسطورية التي يحاول تصديرها لكِ.
*ثانياً: وضع الحدود الفورية (الحل السلوكي)*
*سياسة “لا”: اختبري النرجسي بكلمة “لا” في أمر بسيط. الشخص الطبيعي يتقبل، أما النرجسي فسيثور أو يحاول إشعارك بالذنب. هذه العلامة هي بوصلتك للابتعاد.
*احتفظي بخصوصيتك: النرجسي يستخدم نقاط ضعفك التي حكيتها له في “مرحلة المثالية” ضِدك لاحقاً. توقفي عن مشاركة تفاصيلك العميقة معه.
ثالثاً: العلاج المهني (للنرجسي):
إذا كان النرجسي لديه رغبة (نادرة) في التغيير، فالعلاج هنا يعتمد على:
*مواجهة “الخزي الداخلي”: فالطبيب يعمل على جعل النرجسي يتصالح مع نقصه البشري بدلاً من الهروب منه خلف القناع.
*تدريبات التعاطف: تعلم مهارة “رؤية الآخر” كإنسان له مشاعر، وليس كمجرد جمهور صامت يصفق له.
في الختام، تذكر دائماً أن “قناع المثالية” الذي يرتديه النرجسي ليس انعكاساً لقوتك أو ضعفك، بل هو درعه الهش الذي يحتمي خلفه من حقيقته المكسورة. قد يبهركِ البريق في البداية، لكن تذكر أن الألماس الحقيقي لا يحتاج لجهد مضنٍ ليثبت لمعانه، بينما الزجاج المزيف ينهار عند أول اختبار للحقائق.
عزيزي القارئ
لا تسمح لأحد بأن يجعلكِ مجرد “جمهور” في مسرحية حياته، أو مرآة تعكس فقط ما يريد رؤيته. أنتِ كيان مستقل، مشاعركِ صالحة، واحتياجاتكِ أولوية. إن كشف هذا القناع هو الخطوة الأولى والضرورية لاستعادة حريتكِ النفسية. رحلة الألف ميل تبدأ بوعيكِ بأنكِ تستحق علاقات حقيقية، خالية من التزييف، ومبنية على التقدير المتبادل.. لا على عبادة “الأنا”.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


