تعد مسرحية سالومي من أشهر مسرحيات أوسكار وايلد، وتأثر في صياغته لها بمؤثرات مختلفة، منها ما جاء في أمرها مع هيرود رئيس الربع في إنجيل مرقص وإنجيل متى – مع العلم أنه لم يذكر فيهما اسمها؛ أي سالومي – ومصادر أخرى، منها قصة هيروديا لفلوبير، ورسومات مختلفة اهتمت – على وجه الخصوص – بتجسيد رقصتها المشهورة التي رقصتها لهيرود حاكم الربع.
وتظهر سالومي في مسرحية سالومي لأوسكار وايلد فتاة مبهرة بجمالها، حتى إن كثيرا من حاشية هيرود حاكم الربع كانوا مفتونين بها، ويرون أكبر متعة في الحياة في النظر إليها، والحديث معها لو تمكنوا من ذلك.وكانت سالومي مدركة ما تمتلكه من جمال باهر، وجسد مغر، واستعانت بهما؛ لتحصل على بعض رغباتها التي يبدو من الصعب تحقيقها، فنراها بعدما سمعت صوت النبي يوحنا يأتي من حديقة قصر هيرود حاكم الربع ترغب في النظر إليه؛ لتعرفه عن قرب، وتتأكد من كونه هل يقصد بالمرأة التي يتحدث عنها وقامت بأفعال مخزية هي أمها هيرودا أو لا؟ويحذرها بعض رجال حاشية هيرود وبعض الحرس من أن تذهب لترى ذلك النبي وتحدثه؛ لأن هيرود منع ذلك، وأنه لا يسمح – في الوقت نفسه – لأي أحد بالاعتداء عليه؛ لاعتقاده بأنه سيصيبه – أي هيرود – أذى عند ذلك.
وهنا تستغل سالومي جمالها، وفتنة جسدها، فتطلب إلى شخص ذي مقام في هذه الحاشية أن يمكنها من رؤية يوحنا عن قرب والحديث معه، وتغري هذا الشخص بكلامها الناعم معه، وبأنها ستهديه وردةمن يدها، فلا يستطيع رفض طلبها، ويمكنها من رؤية يوحنا عن قرب والحديث معه.
وعندما ترى سالومي يوحنا عن قرب تفتن بجماله، رغم أنها لم تفتن بأحد من قبل مع كثرة من يعشقونها، ويتمنون القرب منها، وتصرح ليوحنا بإعجابها ببياض بشرته، وجمال قسمات وجهه، ولكنه يعرض عنها، ويواصل حديثه الغامض الذي يمكن أن يفهم منه سوء مصير سالومي وأمها.وتستغل سالومي افتتان زوج أمها هيرود رئيس الربع بجمالها، ورغبته في أن ترقص له، فترفض أن ترقص له في البداية، وتوافقها أمها على ذلك، ولكنها توافق بعد ذلك على الرقص له بعد أن أقسم أن يعطيها لو رقصت له ما تطلبه أيا كان هذا الطلب حتى لو كان نصف مملكته.وترقص سالومي رقصة الغلالات السبع أمام هيرود، فتغريه إغراء شديدا، ويشعر بسعادة بالغة، وتظن أنها بعد هذه الرقصة بما فيها من إغراء يمكنها أن تطلب طلبها الذي رقصت هذه الرقصة من أجله.ويفاجأ هيرود بأنها لا تطلب شيئا غير رأس يوحنا، وتسر أمها بهذا الطلب؛ لأنها كانت ترى أن بعض كلمات يوحنا الغامضة عن امرأة عاهرة يقصدها بها، أما هيرود فيستغرب هذا الطلب من سالومي، ويرفض تنفيذه خشية أن يصبه أذى بسبب مقتل يوحنا الذي كان يعتقد في قداسته، وكان يعتقد أيضا أن أي أذى يصيبه سيكون نذير شؤم له.وحاول هيرود أن يحول دون تنفيذ هذا الطلب لسالومي، بأن يعطيها ما شاءت من أغلى الجواهر وأثمنها، ومن أعجب الطيور وأندرها، ومن كل عجيب وغريب لديه، ولكنها رفضت كل ذلك في عناد شديد، وصممت على أن يبر بقسمه في أن ينفذ لها طلبها الذي تعهد به قبل قسمها، واستجاب لها في النهاية، وأمر أحد حرسه بقتل يوحنا.
ومن الواضح أن سالومي لم تطلب رأس يوحنا لكونه يسيء لأمها بكلامه الذي فيه قدر من الغموض، ولكنها طلبت رأسه؛ لأنه الوحيد الذي أعرض عن جمالها وما فيه من فتنة وإغراء، في حين أنها انجذبت إليه، وصدها هو في حدة، فانتقمت منه هذا الانتقام القاسي.ولكننا نراها بعد أن قدمت لها رأس يوحنا في صحفة من الفضة تحدثه في أسى، وتقول له: لماذا رفضت حبي يا يوحنا، لو أنك أحببتني لما كان هذا مصيرك، ولا تكتفي بذلك، بل تقبل فم رأس يوحنا المقطوع، وتشعر بمرارة بسبب الدم الذي يخرج منه.وعندما يرى هيرود هذا المشهد ينزعج انزعاجا شديدا، ويأمر أحد حراسه بقتل سالومي، وتنتهي المسرحية.وقد رأى بعض النقاد أن هيرود قد أمر بقتل سالومي؛ لأنه شعر بالغيرة حين رآها تقبل فمه، ولكن الأقرب للنظر أن هيرود قد شعر بسوء الطالع، وتوقع سوء مغبة قتل هذا الرجل الذي كان يرى أنه مقدس؛ فلهذا امر بقتل سالومي، كما أظن أن سالومي قد استثارت غضب هيرود حين طلبت قتل يوحنا، وأمر بقتله بعد أن يئس أن يصرفها عن تنفيذ ذلك الطلب، ثم رآها بعد قتله تأتي أمرا غريبا بتقبيلها فمه في رأسه المقطوع؛ بما يوحي بشذوذ الفعل الذي تفعله، فأغضبه كل ما حدث منها، فأمر بقتلها.
وفي اعتقادي أن أوسكار وايلد قد أجاد في تصوير جانب الفتنة والإغراء في شخصية سالومي في هذه المسرحية، ولكنه لم يكن مقنعا في تصويره قسوة انتقامها من يوحنا؛ لأنه من غير المعقول أن تحبه لمجرد لحظات رأته فيها وتكلمت معه، وكذلك من غير المعقول أن تطلب قتله رغم حبها له لمجرد صده عن التجاوب معها في حبها له.


