زيارة جديدة لرحلة ملكية: على متن قاربَي ذاكرة الفرات
تركي المصطفى
في صائفة العام 2005، وتحديداً في الشهر الثامن، حيث تبلغ حرارة الشمس على سهول الفرات مبلغها من الإحراق، وحيث يسير النهر في فيضانه الصيفي الهادئ كأنه شريان ممتد في جسد التاريخ النابض بالحياة، أقلعنا على متن قاربين خشبيين من عند توتول، تلك البقعة التي يعرفها أهل اليوم باسم “تل البيعة”، حيث يعانق الفرات البليخ في عرس نهري قديم، واتجهنا شرقاً مع مجرى النهر، نحو ماري التي كانت في يوم من الأيام قبلة الملوك والتجار والرسل، ونحو حكاية نعيد اكتشافها لا لأول مرة، بل وكأننا نزورها زيارةً جديدة في رحلة ملكية معادة.
كان رئيس هذه الرحلة الأستاذ حسن مصطفى، ويقودها علمياً الدكتور حميدو حمادة، ومعه كوكبة من الباحثين والطلبة، كان في مقدمتهم عالمة الفخاريات اليابانية يايوئي يامازاكي، التي كانت تقرأ التاريخ من شظايا الجرار المكسورة، والأديبة السورية فوزية المرعي التي كانت تكتب الرحلة قبل أن تعيشها ثم سطرتها في رواية “قارب عشتار”، وباحثة فرنسية تبحث عن بصمة سومرية في كل حفنة تراب، والإعلامي عبود حمام، وثلة من طلبة قسم الآثار في جامعة حلب. ركبٌ من الحاضر يعبر دروب الماضي، يقطعون النهر نفسه الذي شهد قبل آلاف السنين رحلات مماثلة، لكن بركب من الملوك والمبعوثين، وكأن الزمن يعيد نفسه على خشب القوارب ذاتها.
وما إن ابتعدنا عن توتول حتى انكشفت أمامنا سبخة الرقة الشرقية، تلك البقعة المالحة التي ليست مجرد أرض جرداء، بل ندوب تركها الفرات حين كان يفيض في العصور الغابرة، فيترك وراءه هذه المساحات البيضاء التي تلمع تحت الشمس كمرآة مكسورة، وعلى أطرافها حشائش قاسية تعلمت الحياة بالملح، كما تعلم أهلها الحياة بالصبر. ثم تتبدل الصورة شيئاً فشيئاً، فتتحول السبخة إلى سهول زراعية مترامية، تمر على قرى مثل الغانم العلي ومعدان، حتى تصل إلى حلبيا وزلبيا التاريخيتين، ثم نصل إلى التبني، تلك البلدة الجميلة التي كانت في العصور القديمة محطة للقوافل، وما زالت اليوم بلدة هادئة على ضفاف الفرات، يزرع أهلها القمح والقطن، وكأن الجوهر الزراعي لم يتغير، بينما تغيرت الأدوات والأزمنة، فما زرعه أهل الألفية الثانية قبل الميلاد من شعير وسمسم، يزرعه اليوم أبناء هذه الأرض من حنطة وقطن، والنهر والأرض والإنسان يظلون ثالوث الحياة الذي لا يتغير.
ثم يواصل القارب مساره المتعرج شرقاً، ويدخل إلى عمق ريف دير الزور الغربي، حيث تتوالى القرى على الضفتين كالبويطية والكسرة والمسرب والطريف والشميطية والصعوة والخريطة ومحيميدة وعياش والبغيلية وهي نقاط اشبه بمعبر تاريخي، كانت القوافل في العصر الماري تتخذها محطة للراحة والتزود بالماء والطعام وتبادل الأخبار مع القرى المجاورة، وما زال أهلها يحتفظون ببيوتهم الطينية، وفلاحتهم التي تعتمد على النهر، وصبرهم الطويل على قسوة المناخ. ثم تلوح في الأفق البعيد مدينة دير الزور بجسورها الخرسانية التي أصبحت علامة حديثة، وأسواقها التي لا تهدأ، وهي وإن كانت في العصر العثماني مركزاً للحكم والإدارة، فإنها تظل مدينة النهر بامتياز، حيث الفرات هو روحها، والناس يعيشون على إيقاع مدّه وجزره، بين فيضان وجفاف، كما يعيشون على إيقاع التاريخ بين ماضٍ عريق وحاضر مرهق.
ومع اجتياز المدينة والاستمرار شرقاً، ندخل ريف دير الزور الشرقي، حيث تتراص قرى مثل المريعية والبوعمرو والبوليل والبصيرة وسعلو وبقرص والشحيل إلى أن وصلنا مدينة الميادين ثم تتناثر القرى والبلدات على ضفتي النهر كخيط من اللآلئ، وكل قرية منها حملت في العصرين الأكدي والبابلي اسماً آخر، أو كانت محطة في طريق القوافل. وهنا يبدأ التضاريس في التغير، إذ تصبح السهول أكثر انبساطاً، والقرى أكثر تباعداً، وتزداد مساحات النخيل التي تصطف كحراس على ضفاف النهر، وأهلها يعيشون على التمر والحبوب، وعلى تربية المواشي وصيد الأسماك، وفي هذه البقاع تشعر أن الزمن يتوقف أو يعود إلى الوراء، فالقرى لا تزال تحتفظ بملامح بيوتها الطينية وطرقها الترابية وأسواقها الأسبوعية التي يقصدها الناس، وكأن الرحلة من العصر البرونزي إلى اليوم ليست سوى انعطافة طفيفة في مجرى النهر.
ثم نصل أخيراً إلى ماري، التي كانت في الألفية الثانية قبل الميلاد عاصمة مملكة قوية تمتد نفوذها من شمال سوريا إلى جنوب بلاد الرافدين، وكان ملوكها يتخذون ألقاباً مثل “ملك ماري وتوتول وأرض حانة”، وكانت محطة رئيسية للتجارة بين الشرق والغرب، تصلها القوافل محملة بالنحاس والأخشاب والذهب والعطور، وتخرج منها محملة بالحبوب والمنسوجات. واليوم، ماري هي تل أثري ضخم يعرف بـ”تل الحريري”، يقع على بعد أحد عشر كيلومتراً شمال غربي البوكمال، بالقرب من الحدود السورية العراقية، ويبلغ ارتفاعه سبعة أمتار عن السهل المحيط، ومساحته ألفان وخمسمائة متر مربع، يضم بقايا قصر ملكي عظيم اكتُشف في ثلاثينيات القرن الماضي، كان يحوي أكثر من ثلاثمئة غرفة، وكان مقراً للحكم والديبلوماسية الدولية في ذلك الزمان، وفي داخله عُثر على أرشيف ضخم يزيد عن خمسة وعشرين ألف رقيم طيني، تحمل رسائل ومراسلات ووثائق إدارية وقضائية ودينية، هي اليوم المصدر الأول والأهم لفهم تاريخ الشرق الأدنى القديم.
لكن هذا التل الذي كان يحوي أعظم مكتبة في العالم القديم، وهذا القصر الذي كان من أعظم قصور العالم، لم ينج من نيران الحرب السورية الأخيرة، حيث تعرض لتدمير واسع، وحُفرت فيه أنفاق، ونُهبت محتوياته، وسُرقت قطعان أثرية لا تقدر بثمن، وأصبح الموقع مهدداً بالانهيار بعد أن كان محطة للسياح والباحثين. والجهود اليوم تُبذل لإعادة تأهيله، لكن الأضرار كبيرة والموارد محدودة، ويبقى الأمل أن تعود ماري مجدداً شاهداً على حضارة لا تموت، وأن يظل هذا التل الصامت يروي لمن يأتي بعده حكاية أمة كانت هنا.
ولم تكن هذه الرحلة مجرد نزهة على النهر، بل كانت مشروعاً علمياً لإعادة اكتشاف الطريق الملكي بين المدينتين، وقد استندنا في تأطيرها إلى مجموعة من المصادر التاريخية والأثرية، كان في مقدمتها أرشيف مملكة ماري نفسه، وتحديداً نص “ARM 1 43” وهي رسالة من الملك شمشي أدد إلى ابنه يسمح أدد، تقدّر المدة اللازمة للوصول من ماري إلى توتول بخمسة أيام، ثلاثة منها إلى القلعة ويومان إلى توتول، بالإضافة إلى النصوص الأكدية والسومرية التي تذكر حملة سرجون الأكدي في الألف الثالث قبل الميلاد، ورحلة الكولونيل تشزني الذي درس حوض الفرات عام 1835، والدراسات الأكاديمية الحديثة كأعمال الباحث ج. دوسان الذي أكد في مقالته أن توتول كانت عند ملتقى الفرات والبليخ، وغيرها من الأبحاث الجغرافية التي أعادت بناء شبكات الطرق في العصر الماري.
في تلك الأيام على متن القاربين، كنا نتوقف عند كل قرية، ونتحدث مع الناس، ونجمع الملاحظات، ونلتقط الصور، ونكتب اليوميات، نحاول أن نقرأ الماضي عبر الحاضر، وأن ننظر إلى الفرات بعيون ملوك ماري ورسلها، ونتأمل كيف تغيرت تفاصيل الحياة على ضفافه، وكيف بقيت أشياء كثيرة على حالها. فالفرات لا يزال يجرى كما جرى، والناس لا يزالون يعيشون عليه وبه، والرحلة من توتول إلى ماري لا تزال ممتدة في الزمن، ليست مجرد مسافة تقطع بالقوارب، بل هي رحلة بين طبقات التاريخ، حيث الزمن مجرد انعطافة في مجرى النهر، لا بداية لها ولا نهاية، وكل زيارة إليها هي زيارة جديدة لرحلة ملكية خالدة.
#سوريات _souriat


