قال لها غابرييل غارسيا ماركيز ذات يوم: «يجب أن تتزوجيني». فطلبت منه أن ينتظرها ثلاثة عشر عاماً. وعندما تزوجا أخيراً، رهنت مجوهراتها، وتلفازها، ومذياعها، وحتى مجفف شعرها لتتمكن من إرسال مخطوطة **”مائة عام من العزلة”**. لولاها، ربما لم تكن هذه التحفة الفنية لترى النور أبداً.في عام 1941، وفي قرية سُوكري الكولومبية الصغيرة، التقى مراهق في الرابعة عشرة من عمره بطفلة في التاسعة. كان اسمها ميرسيدس بارشا، وكان اسمه غابرييل غارسيا ماركيز. كبرا معاً كصديقين بسيطين من أيام الطفولة، لكن غابرييل لم ينسَها قط.مرت السنوات، وأصبحت ميرسيدس شابة ممشوقة القوام ذات عنق طويل وجذاب، فكان غابرييل يلقبها بـ «الزرافة». وعندما بلغت الثالثة عشرة من عمرها، رآها غابرييل – الذي كان آنذاك في الثامنة عشرة – في حفل راقص بالمدرسة. اقترب منها دون مقدمات أو مواربة، وقال لها بحسم:— لقد اكتشفت للتو أن كل أبيات الشعر التي كتبتها كانت موجهة إليكِ. يجب أن تتزوجيني.فوجئت ميرسيدس وقالت لاحقاً:— تلك الطريقة الآمرة في التحدث إليّ أربكتني قليلاً. لكنني وافقت مدفوعة ببعض الخجل.ثم أضافت شرطاً:— إن سمحت، سأنهي دراستي أولاً.مرت ثلاثة عشر عاماً كاملة قبل زواجهما؛ ثلاثة عشر عاماً طويلة. غادر غابرييل كولومبيا ليعمل صحفياً في أوروبا: في باريس وروما وبرشلونة. كان يبني مسيرته المهنية، ويكافح من أجل لقمة العيش، ويكتب بلا هوادة. أما ميرسيدس، فقد بقيت في كولومبيا، وأنهت دراستها، وانتظرت.كانا يتبادلان الرسائل؛ مئات الرسائل التي أبقت على جذوة حبهما متقدة رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل بينهما. وبعد سنوات طويلة، أحرقا كل تلك المراسلات، ولن يعرف أحد أبداً ماذا كان مكتوباً فيها.كان والد ميرسيدس يرفض هذه العلاقة، حتى إنه قال لها يوماً:— إذا تزوجتِ هذا الصحفي، سينتهي بكِ المطاف بآكل الورق.ولم يكن يعلم حينها كم ستكون جملته هذه نبوئية!في 21 مارس 1958، تزوجا أخيراً. كانت ميرسيدس في الخامسة والعشرين، وغابرييل في الحادية والثلاثين. انتظرا بصبر طوال ثلاثة عشر عاماً، وكأنهما كانا يعلمان دائماً أن ارتباطهما أمر حتمي، وكأن القدر قد سطر ذلك منذ زمن بعيد.بعد زواجهما، سافرا كثيراً قبل أن يستقرا نهائياً في مكسيكو سيتي. عمل غابرييل صحفياً، وكاتب سيناريو، ومحرراً إعلانياً. كان يكتب ليدفع الفواتير، لكنه كان يحلم بمصير أعظم.بحلول عام 1965، كان قد نشر بالفعل أربع روايات لم يبع منها سوى 2500 نسخة إجمالاً. كان في الثامنة والثلاثين من عمره؛ كاتب يُنظر إليه كفاشل، وبعنقه زوجة وطفلان صغيران يعيلهما.ومع ذلك، كانت هناك قصة تعيش في داخله منذ أن كان في الثامنة عشرة؛ قصة قرية تُدعى “ماكوندو”، وعائلة “بوينديا”، وعن الحب، والحرب، والسحر، والعزلة. لكن في كل مرة كان يحاول كتابتها، كانت الكلمات تفلت منه.ثم في عام 1965، تغير كل شيء.بينما كان يقود سيارته برفقة عائلته متوجهاً إلى أكابولكو لقضاء عطلة، خطرت له فجأة جملة في ذهنه:> «بعد سنوات طويلة، وأمام فصيل الإعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه والده لاكتشاف الثلج».> تراءى له الفصل الأول بأكمله في لمح البصر، حتى إنه قال لاحقاً:— لو كان معي جهاز تسجيل، لاستطعت إملاء الرواية كاملة في توي ولحظتي.استدار غابرييل بالسيارة على الفور، وقال لميرسيدس:— نحن عائدون إلى المنزل.ولم تعترض، فقد فهمت كل شيء.عند عودتهما، أغلق غابرييل على نفسه في مكتبه الخشبي الصغير الذي كان يسميه «مغارة المافيا». جلس أمام آلته الكاتبة وقال لميرسيدس:— سأكتب رواية. لا تزعجيني، وخاصة في الأمور المالية، مهما حدث.فأومأت ميرسيدس بالموافقة.وبدأ يكتب.كل يوم، من التاسعة صباحاً حتى الثالثة ظهراً، ولمدة ثمانية عشر شهراً. دخّن خلالها قرابة ثلاثين ألف سيجارة، وترك وظيفته، فانقطعت الدخول وتلاشت المدخرات، ولم يتبقَ سوى الأوراق المخطوطة والديون.هنا، تولت ميرسيدس زمام قيادة الأسرة.أصبحت المديرة، والمخططة، وحارسة حلمه. باعت سيارتهما، ورهنت التلفاز، والمذياع، ومجوهراتها. أقنعت الجزار بأن يبيعهم بالدين، وأقنعت صاحب المنزل بتأجيل دفع الإيجار شهراً تلو الآخر.حمت غابرييل من كل مشتت، ومن كل قلق، ومن كل فاتورة. وعندما كانا يُسأل كيف تفعل ذلك، كانت تجيب ببساطة:— إنه يكتب.في أغسطس 1966، اكتملت المخطوطة أخيراً: أربعمائة واثنتان وعشرون صفحة.كان غابرييل قد تراكمت عليه ديون بلغت 120 ألف بيزو، لكن الرواية أصبحت جاهزة.أطلق عليها اسم: **”مائة عام من العزلة”**.ولم يتبقَ سوى إرسالها إلى الناشر في بوينس آيرس. توجها إلى مكتب البريد، فوزن الموظف المخطوطة وقال:— 82 بيزو.فتحت ميرسيدس حقيبتها وعدّت ما تملك: 53 بيزو فقط. لا تكفي.قررا حينها إرسال النصف الأول فقط من المخطوطة.وعند عودتهما إلى المنزل، قامت ميرسيدس بزيارة أخرى لرهن الممتلكات؛ رهنت مجفف شعرها هذه المرة. وبفضل هذا المال، عادا إلى مكتب البريد وأرسلا النصف الثاني من الرواية.وبينما كانا يبتعدان، التفتت ميرسيدس إلى غابرييل وقالت له:— اسمع يا غابو، لا ينقصنا الآن سوى شيء واحد: أن يكون هذا الكتاب سيئاً.لكنه لم يكن سيئاً قط.نُشرت “مائة عام من العزلة” في يونيو 1967، وخلال أسابيع قليلة أصبحت ظاهرة فريدة، وفي غضون أشهر غدت الكتاب الأكثر مبيعاً في أمريكا اللاتينية بأسرها. بيع من الرواية أكثر من خمسين مليون نسخة، ورسخت مفهوم “الواقعية السحرية”، وجعلت من غابرييل غارسيا ماركيز أحد أهم كتاب القرن العشرين.وفي عام 1982، نال جائزة نوبل في الأدب.وعندما سأله أحد الصحفيين عن الشخص الأكثر إثارة للإعجاب والدهشة ممن التقاهم في حياته، أجاب غابرييل دون تردد:— زوجتي.عاش غابرييل وميرسيدس معاً في زواج دام ستة وخمسين عاماً، حتى وفاة الكاتب عام 2014. ثم كرست ميرسيدس حياتها بعد ذلك للحفاظ على إرثه، ورحلت عن عالمنا في عام 2020.إن قصة “مائة عام من العزلة” هي قصة عبقرية أدبية فذة، لكنها أيضاً قصة امرأة رهنت مجفف شعرها ليتمكن زوجها من إرسال مخطوطة؛ قصة امرأة آمنت بحلم في وقت لم يكن فيه أي دليل يوحي بأنه سيصبح حقيقة يوماً ما.#نمط_حياة #تحدي_البوم #التاريخ #علم_الآثار #أفكار_هدايا #تاريخقال لها غابرييل غارسيا ماركيز ذات يوم: «يجب أن تتزوجيني». فطلبت منه أن ينتظرها ثلاثة عشر عاماً. وعندما تزوجا أخيراً، رهنت مجوهراتها، وتلفازها، ومذياعها، وحتى مجفف شعرها لتتمكن من إرسال مخطوطة **”مائة عام من العزلة”**. لولاها، ربما لم تكن هذه التحفة الفنية لترى النور أبداً.#فكر وفن#مجلة ايليت فوتو ارت..


