الملك زكّور وحماة الآرامية
قصة خلّدت مملكةً سورية على حجر البازلت
▪️ شكّل الملك زكور الارامي ومدينة حماة على ضفاف العاصي أحد أكثر فصول التاريخ السوري إشراقاً في العصر الحديدي. فقد كانت حماة عاصمةً لإحدى أقوى الممالك الآرامية في بلاد الشام، بينما حوّل زكّور صمود مملكته إلى مسلّة بازلتية خالدة، أصبحت اليوم من أهم الوثائق الأثرية التي حفظت تاريخ سوريا السياسي والعسكري والديني في القرن الثامن قبل الميلاد.
▪️ نشأت مملكة حماة مطلع القرن التاسع قبل الميلاد على يد القبائل الآرامية، واتخذت من مدينة حماة عاصمة لها. وامتدت حدودها من منطقة سراقب شمالاً حتى منابع نهر العاصي جنوباً، ومن الجبال الساحلية غرباً إلى الفرات ونهر الخابور شرقاً، لتغدو قوةً إقليمية كبرى تتحكم بالطرق التجارية وتؤدي دوراً محورياً في موازين القوى بين الممالك السورية وآشور.
▪️ ويعني اسم حماة في عدد من القواميس القديمة «الحصن» أو «القلعة»، وهو وصف ينسجم مع مكانتها الدفاعية والاستراتيجية. وتشير الأدلة الأثرية إلى أنها شهدت تعاقب حضارات متعددة؛ فارتبطت في مراحل مبكرة بالحثيين، ثم أصبحت من أبرز الممالك الآرامية، كما ورد ذكرها في المصادر المصرية القديمة ضمن حملات الفرعون تحتمس الثالث، وفي النصوص التوراتية باسم «حماة العظيمة».
▪️ يُعد زكّور (ويُكتب أيضاً زاكور أو زكير) من أبرز ملوك حماة، ويرجح عدد من الباحثين أنه سادس ملوكها، وقد حكم ما بين نحو 810 و775 ق.م، بينما يرجع تاريخ نقشه الشهير إلى الفترة 780–775 ق.م. وبعد اعتلائه العرش أضاف إلى لقبه «ملك حماة ولعش»، في إشارة إلى إقليم لُوحوتي (لعش/لوهوتي/نوحاشي)، الذي شكّل المقاطعة الشمالية للمملكة، ولا يزال موقع «لعش» الدقيق موضع نقاش بين الباحثين.
▪️ سبق زكّور على عرش حماة الملك إرحوليني ثم ابنه أوراتامي. وكان إرحوليني قد قاد التحالف السوري الذي واجه التوسع الآشوري بقيادة شلمنصر الثالث في معركة قرقور سنة 853 ق.م، قبل أن يحافظ لاحقاً على علاقات مستقرة مع آشور. ويظهر اسم زكّور لأول مرة في السجلات الآشورية خلال عهد أدد-نيراري الثالث، الذي كلّف قائده شمشي-إيلو بالتوسط في نزاع حدودي بين زكّور وأتارشومكي الأول ملك أرفاد، كما يرد في نصب أنطاكية.
▪️ ويرجح أن زكّور كان من مدينة عَنا (حانة/ترقة) على نهر الفرات، الواقعة آنذاك ضمن النفوذ الآشوري. ويرى عدد من المؤرخين أنه أسس السلالة الآرامية التي حكمت حماة، في حين يرى آخرون أنه استولى على الحكم بعد نهاية أسرة ذات أصول لووية أو حثية حديثة، وهو ما يعكس طبيعة التحولات السياسية التي شهدتها سوريا في تلك المرحلة.
▪️ امتد حكم زكّور إلى إقليم لُوحوتي، الذي تصفه النقوش الآشورية بأنه بلاد غنية بالمدن والقوات العسكرية. وكانت عاصمته حزريك (تل أفيس الحالية)، المعروفة لدى الآشوريين باسم هاتاريكّا، وتقع على بعد نحو 45 كيلومتراً جنوب غربي حلب. وقد دُمج هذا الإقليم في مملكة حماة نحو عام 796 ق.م، ليصبح جناحها الشمالي الأكثر أهمية.
▪️ وترتبط شهرة زكّور بمسلته الشهيرة، وهي نصب بازلتي اكتشفه القنصل الفرنسي هنري بوغنون عام 1903 في تل أفيس، بعدما عُثر عليه محطماً إلى أربع قطع، ثم جُمعت أجزاؤه ونُقلت إلى متحف اللوفر في باريس، حيث لا تزال محفوظة حتى اليوم. ويبلغ ارتفاع القطعة الباقية نحو 62 سم، وعرضها 20 سم، وسماكتها 13 سم، بينما يحمل وجهها وجوانبها نصوصاً آرامية تعد من أطول النقوش الملكية المعروفة في تلك الحقبة.
▪️ يتكون النقش من ثلاثة أقسام؛ فالجزء الأول يروي اعتلاء زكّور العرش، وضم إقليم لعش، ثم حصار مدينة حزريك. أما الجزء الثاني فيسجل أعماله في بناء المدن والحصون والمعابد، ويحمل لعنات موجهة إلى كل من يعبث بالنصب أو ينقله من موضعه، في حين يختتم الجزء الثالث بالدعاء ببقاء اسم زكّور وبيته إلى الأبد.
▪️ ويروي النقش أن برهدد بن حزائيل ملك آرام دمشق قاد تحالفاً ضم سبعة عشر ملكاً، من بينهم ملوك بيت أغوشي، وقوة، والعمق، وجرجم، وسمأل، وملّز، إضافة إلى ملوك آخرين طُمست أسماؤهم بفعل تلف أجزاء من النص. وقد فرض هذا التحالف حصاراً على حزريك، وأقام أسواراً وخنادق حولها، إلا أن زكّور ينسب نجاته إلى الإله بعل شمين الذي خاطبه قائلاً: «لا تخف… سوف أنقذك من جميع الملوك الذين حاصروك»، بينما لا يوضح النقش بصورة صريحة الكيفية التي انتهى بها الحصار.
▪️ ولا تقتصر قيمة مسلة زكّور على تسجيل أحداث سياسية وعسكرية، بل تعد أيضاً وثيقة لغوية بالغة الأهمية، إذ كُتبت باللغة الآرامية القديمة وبالأبجدية الفينيقية، وتشكل أحد أهم النصوص الملكية الباقية من شمال سوريا. كما خضعت لدراسات ومقارنات مع نصوص المسند العربي الجنوبي، وأسهمت في توسيع فهم الباحثين لتطور اللغات السامية، مع بقاء هذه المقارنات مجالاً مفتوحاً للنقاش الأكاديمي.
▪️ واليوم، تمثل حماة ومسلّة زكّور نافذةً فريدة على تاريخ سوريا القديم؛ فهما توثقان قوة الممالك الآرامية، وصراعاتها وتحالفاتها، وتكشفان جانباً من الفكر السياسي والديني واللغوي في الشرق الأدنى القديم، لتبقى قصة زكّور واحدةً من أبرز الشهادات التي حفظها الحجر عن الحضارة السورية.
……………………………….
المصادر:
- ويكيبيديا نقش زكّور (المسلة الآرامية).
- صفحة جمعية العاديات – فرع اللاذقية.
تحرير: حسان سعد
إنفوغرافيك: #سوريات_Souriat# مجلة ايليت فوتو ارت.


