صباح اليوم على الصفحة العاشرة لصحيفة الحقيقة .الفنان التشكيلي كريم سعدون عن وجوهنا التي تاهت في الزحام
رحيم يوسف / بغداد بهدوء وصمت شديدين وبعيدا عن الضجيج يعمل الفنان كريم سعدون على تجربته الفنية منذ سنوات ليست بالقصيرة ليؤكد انها ليست تجربة فحسب بل مجموعة من التجارب التي تنتضم في خط ابداعي متواصل لتمتلك خصوصيتها وتميزها عما حولها من التجارب عبر الثيم والمعالحات اللونية ، وسعدون الذي يتحرى عن آثار الزمن وتبدلاته على كافة السطوح التصويرية التي يبثها للتلقي مهما اختلفت او تباينت تلك السطوح من خلال التنويع التشخيصي في كل سطح ، والتي نستطيع الاستدلال عليها من خلال ممارسته للاختزال والتنويع اللوني ، فاشكاله لا تنتمي الا اليه ولا تشابه غيرها ويمكننا الامساك بها من النظرة الاولى ، فهو يمارس الاختزال بطريقة تثير الدهشة عبر خطوط بسيطة لكنها متقنة لتبدو وكانها خربشات طفل عابث لكنها تثير الاحساس بالجمال، الاختزال الذي يجعلنا نجد في البحث عن المتواري خلفه، وكانه يدعونا لان نمارس عملية الخلق مجددا من اجل اقتراح مشاهد اخرى تختلف عما هو مبثوث امامنا على سطوحه التصويرية مع انها ليست دعوة صريحة بل تتوارى خلف تلك الاختزالات ، وهو يتماهى مع قول بابلو بيكاس: بان الفن هو حذف كل ماهو ليس ضروريا .وهو يمارس ذلك ليس في عمليات التشخيص فحسب بل حتى من خلال اشتغالاته اللونية بمختلف تنويعاتها .كتبت مرة نصا قصيرا اهديته للصديق ناصر مؤنس بعد انقطاع طويل بيننا : _ ههثم ماذا ؟ وجهك الملتصق بمرآة روحي تلطخه البراءةيا لها من سنين . نحن اذن حبن نكتب عن الاشخاص لا نكتب بدون دافع ولعل فعل الكتابة ينحصر بشعورنا بالانتماء قبل كل شيء وحين نكتب عن الاشخاص فاما بدافع الحب او الكره وهذا رأي شخصي غير قابل للتعميم، نستذكر الوجوه التي مرت ونحاول استعادة ما تمثله تلك الوجوه من الذاكرة عبر مشاعرنا باتجاهها وغالبا من خلال شعورنا بالحب وهكذا فعل كريم سعدون في السطح التصويري الذي بثه للتلقي والذي اطلقت عليه ( وجوهنا التي تاهت في الزحام ) .يعد الزمن عاملا حاسما في جميع العمليات الابداعية بمختلف انواعها باعتباره المحرك الاساسي لها والصابط الرئيسي للبنى المكونة لها سواءا ظهر بشكل مباشر فيها او كان ظهوره ضمنيا وفي العملية الابداعية التشكيلية فان ظهور الزمن سيكون واضحا بدرجة او باخرى تبعا لطبيعة التجربة ومسارها الاسلوبي الذي يعمل عليه الفنان ويبدع من خلاله ، وعلى الرغم من وضوحه فاننا بحاجة للكثير من التامل من اجل الامساك به باعتباره اثرا او مؤثرا خصوصا اذا كان يتضمن احالات تذهب بنا باتجاه الذاكرة وهذا ما يحدث في لحظات القلق الشعوري التي تنتابنا اثناء التأمل وذلك لارتباط تلك الاعمال بالذاكرة سواءا اكانت فردية او جمعية مع ان الفردي يحيل الى الجمعي في مطلق الاحوال . ارسل لي صديق صورة فوتوغرافية كانت قد التقطت لي في مدينة بيروت منذ ست واربعين عاما بالتمام والكمال، وهذا ليس غريبا ، لكن الغريب هو ان جميع افراد عائلتي لم يتعرفوا على ملامحي فيها مستنكرين ان تكون لي، وحين تاملتها جيدا لم اعرفني انا الاخر لولا ارتباطها بالمكان وبعض الاحداث التي انطمرت بالذاكرة عنه، هكذا ادن تحفر اثار الزمن في ارواحنا لتنعكس على وجوهنا التي لم نعد نتعرف عليها ،وهذا الحدث احالني لتساؤلات مختلفة ظلت تشغلني طوال ايام عديدة دون اجابات محددة وهي تتعلق بما تتركه اثار الزمن علينا وعلى الاماكن والاشياء المحيطة بنا لنلجأ باتجاه الذاكرة من اجل ترميمها وهو ما لا يمكن القيام به عمليا باعتباره مستحيلا، ولعل هذا الحدث قد مثل مدخلا لمحاولة تفكيك السطح التصويري الذي بثه الفنان المختلف كريم سعدون من اجل فك البعض من شفراته واغتراف المتع الجمالية التي بثها باحترافيته الكبيرة المعهودة .يعمد كريم عبر التدوين البصري الى ابراز هشاستنا واضطراباتنا ازاء عالم متسارع وشديد التحول تلك الهشاشة التي تنطلق من الارواح باتجاه الوجوه ، وهي ليست وجوه بالمعني الحرفي للكلمة بل مجموعة من الرؤوس التي تصطف في مستطيلات منفصلة بشكل جانبي لتبدو وكانها في قطيعة مع العالم او في محاولة لتجنب العالم المحيط بسبب اختلافها الكلي عنه ، شخصيات تعيش عزلتها عن هذا العالم واغترابها الواضح ولذلك جسدها بتعبيرية تقترب كثيرا من التجريد وكان الفنان استعار شكلية مشخصات جاكوميتي لا روحيتها ، كما بدت وكانها اثار شبحية لاشخاص عاشوا ومروا في محاولة يائسة لترك اثارهم في هذا الكون فكانت النتيجة معكوسة لان الزمن هو الذي قام بترك اثاره عليهم عبر عمليات التعرية التي بدت اثارها واضحة ، وهي تشبه باعناقها الطويلة اعناق اعمال اميليو مودلياني لكنها لا تتشابه معها ، فهي تحاول البحث عن بصيص ضوء في العتمة القاتلة التي تحيا بها بفعل غربتها وعزلتها ، انها اشبه بنباتات تبحث عن اشعة الشمس بعيدا عن الظلال الكثيفة التي تحيط بها من كل جانب ، فتبدو وكانها تتنفس الضوء ، لياخذ الضوء شكلا اخر يختلف عن ماهيته وطبيعة وجوده الاعتيادي ، ومن الواضح جدا ان الشخصيات تعاني من العزلة سواءا اكانت تلك العزلة طوعية او مفروضة عليها لان النتيجة واحدة بالمحصلة النهائية ولذلك تدفعها تلك العزلة صوب الاغتراب فتعيش وحدتها ضمن النطاق الضيق الذي وضعها فيه الفنان ، وهي ظلال لكئنات محشورة في اماكن ضيقة تعمدا وكانها قي توابيت غير انها تحاول الفكاك من تلك التوابيت لتبدو وكانها تحاول تاجيل موتها الحتمي وعلى الرغم من سكونيتها الظاهرية غير انها تعج بححركة داخلية تاكيدا للغرض المشار اليه ، كما انها تندفع باتجاه سماء افتراضية غير موجودة بحثا عن ضوء في العتمة التي تعيشها داخليا .هي وجوه مشحونة بالقلق والتوتر على الرغم من شكلها المحيد الذي تعمده الفنان انها تنطق بقلقنا الجمعي الذي يحيل الى سيل من التوترات التي تنتابنا في لحظات الضعف الانساني، وهي كذلك الوجه الاخر لوجوهنا الذي نتعمد اخفائها، وقد تاخذ اشكال الاقنعة في لحظة عابرة، غير انها اقنعة تخفي خلفها رعبا دفينا تولد عبر زمن طويل من التعسف والاقصاء في محاولات مستمرة لانتزاع انسانيتها منها دون ان تفلح بذلك لتبقى متمسكة بها حتى اخر لحظة، ليصبح لزاما علينا البحث عن الوجوه المتوارية، وجوه تعرضت للقسوة حتى اخر مدى يمكن تخيله ولكل ما تقدم لم يتمكن الفنان من ان يلقي اليها نظرة مباشرة لكي لا يتعرض من يتاملها لاثار الفواجع التي تعرضت لها فجسدها جانبيا وتلك لفتة ذكيه شديدة الانتباه من قبله ، ثمانية عشر وجها او راسا تلك هي التي كونت السطح التصويري لتبدو وكانها عملية تكرار حين النظر اليها للوهلة الاولى وهي كذلك فعلا غير انها عملية تكرار قصدي ترمي الى كشف جمالي شديد الوضوح لانه تكرار شكلي ليس الا، لكننا بالتدقيق سنجد تباينات او لاقل اختلافات واضحة فيما بينها سواءا اكانت شكلية او لونية ولذلك سندرك جيدا بان تلك التكرارات كان سببها جمالي بحت، فهي امتلكت اختلافها عن بعضها البعض،عبر الكثير من المعالجات في التكوينات والخطوط والالوان، والفنان يستنطق اقصى طاقات اللون بالتوازي مع الاشكال المجسدة بحيث اننا لو حاولنا مثلا ان نعمد الى تغيير لوني في راس من الرؤوس افتراضيا فان السطح التصويري سيفقد الكثير من قيمه الجمالية التي تقصدها، كما انه عمد الى تعرية الوجوه قصديا وكانه يحاول ان يتمثل الفعل الزمني لهذا الامر او يحاكيه على اقل تقدير، وهذا ليس غريبا عليه بل هو جزء اساسي من التجربة الابداعية التي عمل ويعمل عليها طوال السنوات الماضية والتي تشكل احدى مميزات التجربة وتشكل نقطة اختلافها مع التجارب المحيطة بها عبر عمليات البحث عن اثار الزمن في سطوحه التصويرية وهذا امر شديد الوضوح لمن يراقب ويتابع تجاربه كما اشرنا .
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


