د.عصام عسبري يكتب عن تجربة الفنان التشكيلي السعودي، الأستاذ عبدالله حمّاس

عبدالله حمّاس… حين تتحول الذاكرة إلى لغة تشكيليةد. عصام عسيري في مسيرة الفن التشكيلي السعودي، تبرز تجربة الفنان الأستاذ عبدالله حمّاس بوصفها واحدة من أكثر التجارب رسوخًا واستقلالًا وجادبيةً، لا لأنها استلهمت التراث فحسب، بل لأنها استطاعت أن تحرره من التوثيق الفولكلوري إلى فضاء الرمز والتجريد والتجديد. فمنذ بداياته في سبعينيات القرن الماضي، ظل حمّاس وفيًّا لمشروع بصري متماسك، جعل من البيئة الجنوبية والعربية، والعمارة الشعبية، والإنسان البسيط، والزخارف المحلية، معجمًا تشكيليًا يزداد ثراءً مع الزمن، حتى غدت أعماله علامة فارقة في تاريخ الفن السعودي والعربي والعالمي الحديث. إن أول ما يلفت النظر في أعماله هو أنها لا ترسم المكان كما هو، وإنما ترسم ذاكرته. فالقرية العسيرية والمدن السعودية والعربية عند عبدالله حماس ليست تجمعًا سكانيًا وعمرانيًا، بل كائنات حية تتنفس بالألوان والخطوط والإيقاعات. البيوت تتجاور كما لو أنها نغمات موسيقية، والنوافذ تتحول إلى عيون تراقب الحياة والزمن، والقباب والمآذن والأبواب ليست عناصر معمارية بقدر ما هي علامات ثقافية تختزن تاريخ الإنسان وعلاقته بالأرض.في لوحاته، تبدو المدينة كتكوين بصري متراكم، أشبه بمدونة بصرية للذاكرة الشعبية. تتداخل الكتل الهندسية في نسق متوازن، بينما يخفف الفنان من صرامة البناء بخطوط حرة تكاد تبدو تعبيرات بريئة، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى وعي فكر تجريدي ناضج. الأبيض والرماديات والدرجات الرملية لا تؤدي وظيفة لونية فحسب، بل تمنح المشهد طابعًا ضبابيًا، كأن المدينة تُستعاد من الذاكرة لا من الواقع. هنا يصبح الاختزال أكثر قدرة على التعبير من الوصف، ويصبح الصمت اللوني أكثر بلاغة من الامتلاء.تكشف لوحاته وجهًا آخر من الجماليات، حيث تتقدم الجرأة اللونية والهندسة الرمزية إلى الواجهة. الكتل المستطيلة والمثلثات والدوائر لا تنتمي إلى التجريد الهندسي البارد والقَط العسيري التقليدي، بل تتحول إلى إشارات دلالية تستحضر العمارة الجنوبية، والزخارف الشعبية، والحقول، والإنسان، والهلال، والنوافذ، وكلها تتجاور داخل بناء محكم يوازن بين صرامة النظام وعفوية الحرية. هنا لا يعود اللون تابعًا للشكل، بل يصبح عنصرًا إنشائيًا مستقلًا؛ فالأزرق يمنح اللوحة عمقًا روحيًا، والأخضر يستدعي خصوبة المكان، بينما يضخ الأصفر والأحمر طاقة بصرية تجعل السطح جذابًا ينبض بالحياة.من السمات الجوهرية في تجربة عبدالله حمّاس أنه لا يستنسخ التراث، وإنما يعيد إنتاجه. إنه لا يقتبس الزخارف الشعبية كما يفعل كثير من الفنانين، بل يعيد تفكيكها ثم تركيبها داخل منظومة تشكيلية جديدة، فتتحول المفردة التراثية من عنصر زخرفي إلى بنية فكرية. ولهذا تبدو أعماله معاصرة رغم انغماسها في الموروث، لأن المعاصرة عنده ليست في تقليد الاتجاهات العالمية، وإنما في إعادة قراءة الهوية بلغة تشكيلية حديثة.كما أن الإنسان في أعماله لا يحتل مركز اللوحة بوصفه بطلًا فرديًا، بل يظهر غالبًا مختزلًا، أو مدمجًا في النسيج البصري، وكأنه جزء من المكان لا منفصل عنه. إنها رؤية فلسفية تؤكد أن الإنسان ابن بيئته، وأن العمارة والطبيعة والذاكرة تشكل معًا هوية واحدة لا يمكن تفكيك خصوصيتها.ولعل أكثر ما يمنح تجربة عبدالله حمّاس تميزها هو قدرتها على تحقيق معادلة صعبة بين المحلية والعالمية. فمن يتأمل أعماله يدرك أنها ولدت من جبال السروات وقراها، لكنها لا تبقى حبيسة الجغرافيا؛ إذ امتدت لعموم أرجاء الجزيرة العربية وتخاطب الإنسان أينما كان، لأنها تعتمد لغة بصرية قائمة على جماليات التوازن والإيقاع، والتناغم والاختزال، والعلاقات الشكلية واللونية، وهي مفردات يفهمها الذوق الإنساني العام. ولهذا استطاعت أعماله أن تحظى بحضور واسع في عشرات المعارض داخل المملكة وخارجها، وأن ترسخ اسمه بوصفه أحد رواد الحركة التشكيلية السعودية والمؤثرون في جيلهم ومن تلاهم. ومن الناحية التقنية، يملك حماس حسًا معماريًا واضحًا في تنظيم السطح التصويري؛ إذ تتوزع الكتل وفق إيقاع مدروس، وتتحاور المساحات الموجبة والسالبة في توازن دقيق، بينما تتكرر العلامات البصرية بطريقة تخلق تناغم موسيقي داخلي لا يشعر به المتلقي مباشرة، لكن تمنحه إحساسًا بالانسجام. وهذا ما يجعل لوحاته قابلة للقراءة على مستويين؛ قراءة أولى تستمتع بجماليات اللون والشكل، وقراءة ثانية تغوص في شبكة الرموز والإحالات الثقافية.لقد أسهم Abdullah Hammas في بناء هوية بصرية للفن السعودي، لا تقوم على استحضار الماضي بوصفه حنينًا، بل بوصفه مادة حيّة قابلة للتجدد. فهو من الفنانين الذين أدركوا أن الأصالة ليست العودة إلى الخلف، وإنما القدرة على حمل الذاكرة إلى المستقبل. ولهذا بقي مشروعه الفني متماسكًا على امتداد أكثر من خمسة عقود، متجددًا في أساليبه، ثابتًا في جوهره، ومخلصًا لقناعته بأن الفن الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان، ولا عن المكان، ولا عن الحلم الذي يربط بينهما. وفي المحصلة، فإن تجربة عبدالله حماس ليست مجرد تجربة تشكيلية ناجحة، بل هي مشروع ثقافي وجمالي متكامل، استطاع أن يبدع من مفردات البيئة العربية السعودية لغة تشكيلية ذات قيمة إنسانية، وأن يجعل من اللوحة فضاءً تتصالح فيه الذاكرة مع الحداثة، واللون مع الفكرة، والتراث مع التجريد والتجريب والتجديد، في واحد من أكثر المشاريع والرؤى الفنية العربية أصالة وخصوصية.

#د.عصام عسيري#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم