
د.أحمد محمد حسن… من فلسفة الضوء إلى مختبر الصورة
حين تتحوّل العدسة إلى رسالة، ويصبح تحليل الصورة طريقاً إلى التميّز في المسابقات الفوتوغرافية
رئيس نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تلتقي عين الفنان بعقل الناقد
ليست الصورة الفوتوغرافية الناجحة مجرد مشهد جميل أسرَ العين، ولا لحظة عابرة أحسن المصوّر اقتناصها، بل هي حصيلة تفاعل معقّد بين الرؤية والفكرة والضوء والتكوين والتوقيت والمعالجة. وفي عالم المسابقات الفوتوغرافية، تتضاعف أهمية هذه العناصر، لأن الصورة لا تقف أمام جمهور يتذوق جمالها فحسب، بل تدخل فضاءً من المقارنة والتقييم، حيث يصبح لكل تفصيل بصري أثره في تشكيل الانطباع النهائي.
ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين الممارسة الفنية والتحليل النقدي، وبين الشغف بالتصوير والقدرة على قراءة الصورة قراءةً واعية تكشف مكامن قوتها، وتحدّد مواطن ضعفها، وتفتح أمام صاحبها أبواباً جديدة للتطوير والإبداع.
وفي هذا السياق، يحضر اسم الدكتور أحمد محمد حسن، الطبيب والمصور ورئيس نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي، بوصفه أحد المهتمين بتعزيز الثقافة الفوتوغرافية والعمل الجماعي، وتوفير مساحات تتيح للمصورين تبادل الخبرات والارتقاء بتجاربهم الفنية. ويتجدد هذا التوجه من خلال ورشته العملية والتفاعلية «ورشة تحليل صور المسابقات»، التي تجمع بين النقاش والتقييم والتعلّم التطبيقي، وتضع الصورة أمام أسئلة جوهرية: لماذا تنجح صورة في المسابقات، بينما تتوقف أخرى عند مرحلة الاختيار؟ وماذا يحتاج المصور كي ينتقل بعمله من مستوى الصورة الجيدة إلى مستوى الصورة المنافسة؟
إنها رحلة تبدأ من لحظة الالتقاط، لكنها لا تنتهي عندها؛ بل تمتد إلى فهم الصورة وتفكيك عناصرها، واكتشاف ما يجعلها جديرة بأن تُرى، وأن تُقرأ، وأن تبقى في الذاكرة.
الدكتور أحمد محمد حسن… بين دقة الطبيب وحدس المصوّر
تجمع شخصية الطبيب والمصور بين عالمين يلتقيان في جوهرهما، وإن اختلفت أدواتهما. فالطب يحتاج إلى الملاحظة الدقيقة، وربط العلامات، وفهم التفاصيل ضمن منظومة متكاملة؛ والتصوير الفوتوغرافي يحتاج بدوره إلى عين يقظة، وعقل قادر على تنظيم العناصر، وحساسية تلتقط العلاقات الخفية بين الضوء والظل، وبين الموضوع وخلفيته، وبين اللحظة ومعناها.
وفي الحالتين، لا تكفي الرؤية الأولية وحدها؛ إذ يتطلب الأمر قراءةً متأنية لما يظهر أمام العين، ومحاولة فهم ما وراء التفاصيل. فالطبيب يبحث عن دلالة العلامة، بينما يبحث المصور عن دلالة المشهد، ويعمل كلاهما على الانتقال من الملاحظة إلى التفسير.
غير أن الصورة لا تصبح مؤثرة بمجرد أن تكون واضحة أو سليمة تقنياً؛ فقد تكون اللقطة حادة، والتعريض مضبوطاً، والألوان متوازنة، ومع ذلك تفتقر إلى الفكرة التي تمنحها حضورها. وفي المقابل، قد تحمل صورة بسيطة تقنياً شحنة إنسانية أو تعبيرية تجعلها أكثر رسوخاً في ذاكرة المشاهد.
وهنا تكمن المسافة بين امتلاك الكاميرا وامتلاك الرؤية؛ فالأولى أداة، أما الثانية فهي ثمرة المعرفة والممارسة والثقافة والقدرة على الاختيار.
ومن خلال موقعه رئيساً لنادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي، تتصل تجربة الدكتور أحمد محمد حسن بمجال يتجاوز التصوير الفردي إلى نشر المعرفة، وتشجيع الحوار الفني، وإتاحة الفرص أمام المصورين لاختبار أعمالهم ومراجعة تجاربهم في بيئة تشاركية.
نادي الفراعنة الدولي… حين يتحوّل الشغف إلى مشروع ثقافي
لا تنهض الحركة الفوتوغرافية بالمواهب المنفردة وحدها، مهما بلغت قدرتها على الابتكار، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات تجمع المصورين، وتوفر لهم فرص التعلّم والممارسة والعرض، وتفتح أمامهم نوافذ التواصل مع تجارب مختلفة.
ومن هذا المنطلق، يمثل نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي مساحةً للعمل الجماعي وتبادل الخبرات، من خلال الأنشطة والورش واللقاءات والمعارض والرحلات الفوتوغرافية التي تتيح للمشاركين الانتقال من المعرفة النظرية إلى الممارسة المباشرة.
فالورشة تمنح المصور فرصة لاختبار أفكاره ومناقشتها، والرحلة تضعه أمام تحديات الضوء والمكان واللحظة، أما المعرض فينقل الصورة من نطاق التجربة الشخصية إلى المجال العام، حيث تبدأ رحلة جديدة من التأويل والتفاعل والتقييم.
وفي هذا الإطار، تكتسب ورشة «تحليل صور المسابقات» أهمية خاصة؛ لأنها تتجه مباشرةً إلى أحد أكثر الأسئلة حضوراً في الوسط الفوتوغرافي: كيف يمكن للمصور أن يعرف القيمة التنافسية لعمله قبل إرساله إلى المسابقة؟
إن الإجابة لا تكمن في قاعدة واحدة، ولا في وصفة جاهزة تضمن الفوز، بل في امتلاك أدوات التحليل، وفهم معايير التقييم، والقدرة على النظر إلى الصورة بعين صانعها مرة، وبعين المتلقي والناقد مرة أخرى.
ورشة تحليل صور المسابقات… من الانطباع الأول إلى القراءة النقدية
تحت عنوان «ورشة تحليل صور المسابقات»، يقدم الدكتور أحمد محمد حسن لقاءً فوتوغرافياً عملياً وتفاعلياً، يتيح للمشاركين عرض نماذج من أعمالهم ومناقشتها، بهدف اكتشاف عناصر القوة والجوانب التي يمكن تطويرها، وتقييم مدى استعداد الصور للمشاركة في المسابقات الفوتوغرافية.
وتنطلق الورشة من حقيقة أساسية: ليست كل صورة جميلة بالضرورة صورةً قادرة على المنافسة. فالجمال قد يكون مدخلاً إلى الصورة، لكنه لا يمثل وحده معياراً كافياً للحكم على قوتها الفنية أو قدرتها على استقطاب انتباه لجنة التحكيم.
قد تتميز صورة بجمال ألوانها، لكنها تفتقر إلى فكرة واضحة. وقد تحمل أخرى موضوعاً إنسانياً مؤثراً، إلا أن تكوينها المزدحم يشتت الانتباه عن مركز الاهتمام. وربما تنجح صورة في نقل حدث أو توثيق مشهد بدقة، لكنها لا تبلغ المستوى التعبيري الذي يمنحها حضوراً تنافسياً مميزاً.
لهذا تأتي الورشة لتضع الصور أمام قراءة متعددة الجوانب، تتناول الفكرة والتكوين والإضاءة واللحظة والمعالجة والتأثير البصري، فضلاً عن دراسة نقاط القوة والضعف ومدى انسجام العناصر المختلفة داخل الإطار.
إنها ليست جلسة لإطلاق الأحكام السريعة، بل فرصة لفهم الأسباب التي تجعل صورةً ما أكثر تماسكاً وتأثيراً من غيرها، وكيف يمكن للمصور أن يستثمر هذه المعرفة في تطوير أعماله المقبلة.
الفكرة والتكوين… العمود الفقري للصورة المنافسة
تبدأ قراءة الصورة من الفكرة التي تحملها، ومن السؤال الذي تطرحه على المشاهد. هل تقدم الصورة رؤية جديدة لموضوع مألوف؟ هل تكشف جانباً غير متوقع من الحياة؟ هل تنقل إحساساً إنسانياً، أو تسجل لحظة استثنائية، أو تبني علاقة بصرية متماسكة بين عناصر المشهد؟
قد تكون الفكرة بسيطة، لكن قوة الصورة تظهر في طريقة تقديمها. فالتصوير لا يتطلب دائماً موضوعاً نادراً أو حدثاً استثنائياً؛ إذ يستطيع المصور المتمرس أن يكتشف قيمة بصرية في مشهد يومي عادي، من خلال اختيار زاوية دقيقة، أو توقيت مناسب، أو علاقة غير مألوفة بين العناصر.
ويأتي التكوين ليمنح الفكرة بنيتها المرئية. فموقع الموضوع داخل الإطار، وتوازن الكتل، والخطوط، والمساحات السلبية، والعلاقات بين المقدمة والخلفية، كلها عناصر تسهم في توجيه عين المشاهد وتنظيم رحلته داخل الصورة.
وعندما تتنافس صور متعددة على جذب الانتباه، يصبح التكوين المتماسك عاملاً مهماً في إيصال الرسالة البصرية بسرعة ووضوح، من دون أن يلغي الغموض الجميل أو تعدد التأويلات حين يكونان جزءاً من قصد المصور.
وفي الورشة، يمكن أن تتحول هذه المبادئ من مفاهيم نظرية إلى أسئلة عملية: هل يخدم كل عنصر الفكرة؟ هل توجد تفاصيل زائدة تضعف التركيز؟ هل تقود الخطوط العين نحو الموضوع الأساسي؟ وهل يستطيع المشاهد فهم العلاقة بين مكونات الصورة دون أن يفقد فرصة اكتشاف معانٍ أعمق فيها؟
الضوء واللحظة… حين يصنع التوقيت الفارق
الضوء هو المادة الأولى للفوتوغرافيا، لكنه ليس مجرد وسيلة لإظهار التفاصيل؛ إنه عنصر تعبيري قادر على بناء المزاج وتحديد العلاقات وإعادة تشكيل الموضوع.
فالضوء الجانبي قد يكشف ملمس الوجه أو الحجر، والإضاءة الخلفية قد تصنع حافة مضيئة تفصل الموضوع عن محيطه، بينما يمنح الضوء الناعم المشهد هدوءاً وشفافية، وقد يخلق الضوء القاسي توتراً بصرياً يخدم بعض الموضوعات.
ولا يمكن فصل الضوء عن التوقيت؛ فقد يتغير معنى المشهد خلال ثوانٍ قليلة. حركة يد، أو التفاتة وجه، أو عبور شخص في مساحة من الضوء، أو تزامن عناصر متعددة في لحظة واحدة، كلها تفاصيل قد تنقل الصورة من التسجيل العادي إلى التعبير البصري المؤثر.
ومن هنا، لا يقتصر التحليل على السؤال عما إذا كان التعريض صحيحاً، بل يتجاوز ذلك إلى البحث في مدى خدمة الإضاءة للفكرة، وقدرة اللحظة المختارة على اختزال الحكاية أو تكثيف دلالتها.
فالصورة القوية لا تسجل ما كان أمام الكاميرا فحسب، بل تكشف لماذا كان اختيار هذه اللحظة بالذات مهماً.
المعالجة الرقمية… تحسين الرؤية لا إخفاء ضعفها
أصبحت المعالجة الرقمية جزءاً أساسياً من الممارسة الفوتوغرافية المعاصرة، بما تتيحه من ضبط للتعريض والتباين والألوان، ومعالجة للظلال والإضاءات، وتصحيح للعدسات، وتحسين لتفاصيل الصورة.
لكن المعالجة الناجحة لا تعني الإفراط في المؤثرات، ولا تحويل الصورة إلى استعراض تقني يطغى على فكرتها الأصلية. فالمطلوب هو أن تدعم المعالجة الرؤية، وأن تعزز العلاقة بين الموضوع ومضمونه، وأن تحافظ على التوازن بين الجمال والمصداقية، وفق طبيعة العمل وقواعد المسابقة التي يشارك فيها.
وقد تكون المعالجة الهادئة أكثر تأثيراً من التعديلات الصاخبة، كما قد يحتاج عمل فني محدد إلى معالجة أسلوبية واضحة تخدم قصده التعبيري. ويبقى الحكم مرتبطاً بمدى اتساق الاختيارات التقنية مع الفكرة والمعايير المعلنة للمسابقة.
وتزداد هذه المسألة أهمية في عصر التصوير الحاسوبي والذكاء الاصطناعي، حيث اتسعت إمكانات تعديل الصور وإعادة تركيبها وتوليد عناصر بصرية جديدة. ولذلك ينبغي للمصور أن يعرف حدود المعالجة المقبولة، وأن يراجع قواعد المسابقة قبل المشاركة، ولا سيما في فئات التصوير الوثائقي والصحفي والطبيعة، التي قد تفرض قيوداً خاصة على التعديل أو الإضافة أو الحذف.
إن الأداة الرقمية يمكن أن توسع آفاق الإبداع، لكنها لا تعفي المصور من المسؤولية الفنية والأخلاقية تجاه صورته.
كيف نقرأ نقاط القوة والضعف؟
لا يهدف التحليل النقدي إلى البحث عن العيوب وحدها، بل إلى فهم ما نجح في الصورة، وما يمكن أن يجعلها أكثر اكتمالاً وتأثيراً.
فقد تكمن قوة العمل في تعبير الوجه، أو في التوقيت، أو في بساطة التكوين، أو في التباين بين الضوء والظل، أو في العلاقة الرمزية بين العناصر. وقد يكون مصدر ضعفه ازدحام الإطار، أو غياب مركز اهتمام واضح، أو عدم انسجام الألوان، أو وجود عناصر مشتتة، أو معالجة مبالغ فيها، أو فكرة لم تُقدَّم بصورة كافية الوضوح.
لكن هذه الملاحظات لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام مطلقة؛ فبعض القواعد يمكن تجاوزها بوعي عندما يكون التجاوز جزءاً من الرؤية الفنية، كما أن الصورة التي تبدو غير مألوفة قد تكون أكثر أصالة من صورة تنفذ القواعد بحرفية من دون أن تقدم شيئاً جديداً.
وهنا تظهر قيمة النقاش الجماعي، إذ يستطيع أكثر من مشاهد أن يكتشف في الصورة الواحدة دلالات لم ينتبه إليها صاحبها، وأن يقترح طرقاً مختلفة لقراءة المشهد أو تحسين تقديمه.
والأهم أن يتعلم المصور كيف يفصل بين تقديره العاطفي لعمله وبين قدرته على تقييمه بموضوعية نسبية؛ فالصورة التي استغرقت ساعات من الجهد ليست بالضرورة الأقوى، والصورة التي التُقطت في لحظة عفوية قد تحمل قيمة فنية كبيرة.
إن النقد الجيد لا ينتقص من المبدع، بل يساعده على رؤية عمله من مسافة تسمح له بالتطور.
الصور الأربع… اختبار عملي لوعي المصور
تمنح الورشة للمشاركين فرصة عملية للمساهمة في النقاش، إذ يُطلب من كل مشارك إحضار أربع صور من أعماله الفوتوغرافية على هاتفه المحمول، يعتقد أنها مؤهلة للمشاركة في المسابقات.
وتحمل هذه الخطوة أهمية تتجاوز عرض الصور؛ فهي تدعو المصور إلى ممارسة أولى مهارات التقييم قبل الوصول إلى الورشة، أي اختيار أفضل أعماله من بين أرشيفه الشخصي، وتحديد الصور التي يثق بقدرتها على المنافسة.
فحين يختار المصور أربع صور فقط، يجد نفسه أمام أسئلة صعبة: أي الأعمال يمثل رؤيته بأفضل صورة؟ هل يختار الصورة الأجمل بالنسبة إليه، أم الصورة الأكثر تماسكاً من الناحية الفنية؟ هل يفضل العمل الذي يحمل فكرة قوية، أم الذي يتميز بتكوين استثنائي؟ وهل تتناسب الصورة مع الفئة التي ينوي المشاركة فيها؟
وخلال المناقشة، تصبح الصور مادةً للتعلّم الجماعي، حيث يمكن تحديد عناصر نجاحها، والكشف عن الجوانب التي تحتاج إلى تطوير، ومناقشة مدى ملاءمتها للمسابقات المختلفة.
وقد يكتشف المشارك أن صورةً كان يراها مكتملة تحتاج إلى إعادة قص أو معالجة، أو أن عملاً لم يمنحه اهتماماً كافياً يمتلك إمكانات تنافسية تستحق المراجعة. وربما يتعلم أن الصورة الجيدة لا تحتاج دائماً إلى تعديل، بل إلى اختيار المسابقة المناسبة وطريقة العرض الملائمة.
إنها تجربة تدريبية تضع المصور أمام مرآة عمله، وتمنحه فرصة لتحويل الملاحظة إلى معرفة، والمعرفة إلى ممارسة أكثر نضجاً.
من التقييم إلى المشاركة… كيف يستعد المصور للمسابقة؟
إن الاستعداد للمسابقة الفوتوغرافية يبدأ قبل إرسال الملف، ولا ينتهي عند اختيار الصورة النهائية. فالمصور يحتاج إلى قراءة شروط المشاركة بعناية، وفهم الفئات المتاحة، ومعرفة قواعد المعالجة، ومتطلبات الدقة والأبعاد، وطريقة تسمية الملفات وإرسالها.
كما ينبغي أن يختار العمل الذي يناسب طبيعة المسابقة، لا أن يرسل الصورة نفسها إلى كل فئة دون دراسة. فالصورة الوثائقية تختلف في غايتها عن الصورة الإبداعية، وصورة الحياة البرية ليست كالصورة المفاهيمية، ولكل مجال خصوصيته التي ينبغي احترامها.
ومن المفيد أيضاً أن يراجع المصور أعماله بعد فترة من التقاطها؛ فالمسافة الزمنية تساعد أحياناً على اكتشاف عيوب لم تكن واضحة في لحظة الحماس الأولى. ويمكنه الاستعانة بآراء زملاء موثوقين، ومقارنة عمله بالمعايير المنشورة، والتأكد من أن العنوان والوصف يضيفان إلى الصورة ولا يفرضان عليها معنى غير موجود فيها.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال قيمة التصوير في الفوز بالجوائز. فالمسابقة وسيلة للتعلّم والاحتكاك بالتجارب المختلفة، وليست المقياس الوحيد للحكم على موهبة المصور أو أهمية مشروعه.
قد تفوز صورة في مسابقة، وقد لا تتجاوز صورة أخرى مرحلة الاختيار، لكن ذلك لا يعني أن الأولى أفضل من الثانية في كل سياق؛ فالأحكام تتأثر بمعايير المسابقة، وطبيعة الفئة، وتوجهات لجنة التحكيم، ومستوى الأعمال المشاركة.
والوعي بهذه الحقيقة يجعل المصور أكثر قدرة على الاستفادة من النتائج، بعيداً عن الإحباط أو المبالغة في تقدير الجوائز.
من الفيلم إلى الذكاء الاصطناعي… المعرفة شرط التجدد
شهد التصوير الفوتوغرافي انتقالات واسعة من الكاميرات الميكانيكية والأفلام والتحميض الكيميائي إلى المستشعرات الرقمية، ثم إلى الهواتف الذكية والتصوير الحاسوبي وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
تغيرت الأدوات، وتسارعت عمليات الالتقاط والمعالجة والنشر، وأصبح إنتاج الصور وتداولها أكثر سهولة من أي وقت مضى. غير أن هذه الوفرة جعلت التمييز بين الصورة اللافتة والصورة المتماسكة أكثر أهمية، كما زادت الحاجة إلى الوعي بمصداقية المحتوى البصري وحدود المعالجة.
وفي هذا العصر، لم يعد تطوير المصور مقتصراً على تعلم إعدادات الكاميرا، بل أصبح يشمل فهم اللغة البصرية، وتنمية الثقافة الفنية، ومعرفة أدوات التحرير، واحترام أخلاقيات التصوير، والقدرة على تقييم الأعمال وفق سياقاتها المختلفة.
وهنا تبرز أهمية الورش التفاعلية، لأنها تعيد المعرفة إلى مجال الممارسة، وتمنح المصور فرصة لمناقشة أسئلته الحقيقية، بدلاً من الاكتفاء بالمعلومات العامة أو الدروس النظرية.
فالخبرة لا تُكتسب من مشاهدة الصور وحدها، بل من تحليلها ومقارنتها ومناقشة الخيارات التي صنعتها، ومن الاستعداد لتغيير الرأي عندما تكشف التجربة عن طريق أفضل.
الكرنفال الفوتوغرافي الدولي… موعد مع الصورة والحوار
تأتي ورشة «تحليل صور المسابقات» ضمن فعاليات الكرنفال الفوتوغرافي الدولي الأكبر في مصر – النسخة الثالثة، في إطار تعاون نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي ومؤسسة صورة للفنون، بما يتيح للمشاركين فرصة اللقاء وتبادل الخبرات والانفتاح على تجارب متنوعة.
ويمثل هذا النوع من الفعاليات مناسبةً لتعزيز الحضور المجتمعي للفوتوغرافيا، ونقلها من إطار الممارسة الفردية إلى فضاء الحوار والتعلّم المشترك. فالصورة، حين تُعرض وتُناقش، لا تبقى ملكاً للحظة التي التقطتها، بل تصبح نقطة انطلاق لأسئلة جديدة حول الجمال والتعبير والتقنية والمعنى.
ومن خلال هذه الورشة، يتاح للمصورين اختبار أعمالهم في بيئة تفاعلية، والتعرف على آليات التفكير النقدي، واكتساب خبرة تساعدهم في اختيار الصور الأنسب للمنافسة وتطوير رؤيتهم الفوتوغرافية.
إنها دعوة إلى أن يقترب المصور من أعماله بعين أكثر دقة، وأن يرى في الملاحظة النقدية فرصةً للنمو، وفي اختلاف الآراء مصدراً للإثراء، وفي كل صورة تجربةً قابلة للتعلّم والاكتشاف.
تفاصيل الورشة والدعوة إلى المشاركة
عنوان الورشة: «ورشة تحليل صور المسابقات»
يقدمها: الدكتور أحمد محمد حسن، رئيس نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي.
الموعد: 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، الساعة السادسة والنصف مساءً.
المكان: الإسكندرية، مصر.
ضمن فعاليات: الكرنفال الفوتوغرافي الدولي الأكبر في مصر – النسخة الثالثة.
التنظيم: نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي ومؤسسة صورة للفنون.
متطلبات المشاركة: إحضار أربع صور فوتوغرافية من أعمال المشارك على هاتفه المحمول، يراها مناسبة للمنافسة في المسابقات الفوتوغرافية، لمناقشتها وتحليلها عملياً خلال الورشة.
الدعوة عامة: الحضور متاح للجميع، من دون رسوم، ولا يتطلب تسجيلاً مسبقاً أو دعوة خاصة، وفق المعلومات المعلنة للفعالية.
خاتمة: الصورة التي تتعلم كيف ترى
إن تجربة الدكتور أحمد محمد حسن، من خلال عمله في نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي وتقديم ورشة «تحليل صور المسابقات»، تفتح نافذة على جانب مهم من الثقافة الفوتوغرافية المعاصرة؛ ذلك الجانب الذي لا يكتفي بإنتاج الصور، بل يسعى إلى فهمها وتقييمها وتطويرها.
فالمصور الحقيقي لا يتوقف عند السؤال: كيف التقطت هذه الصورة؟ بل يواصل البحث عن أسئلة أعمق: لماذا التقطتها؟ ماذا أردت أن أقول من خلالها؟ هل استطاعت عناصرها البصرية أن تنقل فكرتي؟ وهل يمكن أن أقدمها بصورة أكثر قوة ووضوحاً وتأثيراً؟
إن تحليل الصور ليس محاكمةً للمصور، بل تمرين على الرؤية؛ وليس بحثاً عن الأخطاء وحدها، بل اكتشاف لما يمكن أن تنجزه العين حين تتسلح بالمعرفة والخبرة والخيال.
ولعل أجمل ما تمنحه مثل هذه الورش هو أنها تعيد المصور إلى صورته الخاصة، ولكن بعين جديدة؛ عين تتعلم أن ترى ما وراء الجمال الظاهر، وأن تميز بين الإتقان التقني والقيمة التعبيرية، وأن تدرك أن الصورة الناجحة ليست دائماً الأكثر صخباً، بل قد تكون الأكثر صدقاً وتماسكاً وقدرةً على ترك أثر في الذاكرة.
فإلى المصورين في الإسكندرية وسائر المدن المصرية والعربية: اختاروا صوركم الأربع، وامنحوا أعمالكم فرصةً للحوار والتقييم والتطور. فقد تكون الصورة التي تحتاج اليوم إلى ملاحظة نقدية هي ذاتها الصورة التي تفتح لكم غداً باباً جديداً في عالم المسابقات والإبداع.
فالضوء يمنحنا الصورة، لكن المعرفة تعلّمنا كيف نقرأها؛ والعدسة تلتقط اللحظة، أما الرؤية الواعية فتصنع من اللحظة حكايةً تستحق البقاء.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
الفوتوغرافيا سر حياتنا.



