بقلم: الكاتبة الليبية رواسي عمر
دعني أحدثك عمّا يسمّيه الكثيرون جحيمًا، وأسمّيه أنا نعيمًا… ألا وهو الوعي. دعني آخذك في رحلة إلى قصة حدثت قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام؛ قصة ذُكرت في سورة الأحزاب، تحديدًا عن غزوة الأحزاب، وهي الغزوة التي كادت أن تُهلك الدولة الإسلامية حينها؛ إذ حوصرت المدينة المنورة من جميع الجهات، وكان هناك مشروع لإبادتها.
ولو قرأنا كتب المؤرخين لوجدنا أدق التفاصيل: أسماؤهم، أنسابهم، بلدانهم، صفاتهم، وحتى ألوان بشرتهم… لكن لماذا لم يروِ القرآن كل هذه التفاصيل؟
ببساطة: لأن هذه التفاصيل ليست مهمة في صناعة وعي الإنسان. فالقرآن يركّز على ما هو مهم لبناء الوعي البشري.
فمثلًا، لم يذكر القرآن من هم المنافقون، أو الذين في قلوبهم مرض، أو الذين ظنّوا أن العدو أقوى لكثرته فأرادوا الاستسلام، أو الذين تعذروا بحجج مختلفة ليهربوا من القتال.
لأنه لا يريدك أن تعرف أشخاصهم، بل يريدك أن تعرف طريقة تفكيرهم؛ لأنها ستتكرر في كل زمان ومكان، لتتعلم كيف تتعامل مع هذه الفئات، وتدرك مصيرها.
وهنا… ماذا كان موقف المؤمنين؟
تخيّل المشهد: المدينة محاصرة، والخوف يملأ القلوب، ومؤشرات الهزيمة واضحة. فريق ينسحب، وآخر يخذل، وآخر يشكّك، وآخر يبحث عن الأعذار.
وفي وسط هذا كله… بقيت فئة قليلة. فئة كان من الطبيعي أن تهتز، أن تشك، أن تنهار… لكنها فعلت العكس تمامًا: زادها ذلك إيمانًا وتصديقًا.
قال تعالى: “وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ”
هنا ندرك أن الوعي نعمة عظيمة… وأنه ليس كل من كان على حق سينتصر فورًا، أو يرى علامات النصر في كل مرة.
فقد يكون الفشل أو الهزيمة اختبارًا لصدقك وإيمانك.
في حياتنا اليومية—شخصية كانت أو عائلية أو مجتمعية—سنرى هذه الفئات نفسها تتكرر.
وما أريد إيصاله: أننا نمر أحيانًا بمواقف تتطلب وعيًا مصاحبًا لإيمان لا يتزعزع، حتى لو لم تظهر نتائج فورية.
تذكّروا دائمًا قصة الأحزاب…اثبتوا على مواقفكم، وعلى سعيكم، وعلى إيمانكم ما دمتم على الحق، ولا تلتفتوا للمشتتات.
فعندما تضيق بك الدنيا، ويتسلل اليأس إلى قلبك… تذكّر أن الفرج قد يولد في أشد اللحظات ضيقًا.
وعندما تسمع كلمات تزرع الشك داخلك… استحضر موقف المؤمنين يوم الأحزاب، وكيف ميّزوا بين الحق والباطل.
وعندما تظن أن جهدك صغير… تذكّر أن كل جهد صادق يُحدث فرقًا. فالشدائد ليست غريبة عن طريق الإيمان، بل هي سنّة تُهذّب القلب وتُظهر صدقه. وإذا اشتد عليك الأمر، فلا تنظر إلى ضيق اللحظة فقط… بل انظر إلى ما بعدها.
وتذكّر دائمًا: العاقبة للثبات… لا للاضطراب، ولليقين… لا للشك.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


