حين يكتمل العمق، نجد العزلة على مسافة صفر.- بقلم: د. سيما حقيقي.

المسافة صفر
بقلم: د. سيما حقيقي

ليس كل اختلاف يُرى، ولا كل مسافة تُقاس بالخطوات. هناك مسافات تتشكّل في الداخل، كلما ازداد الفهم، وكلما تعمّق الوعي بما لا يُقال. من هنا يبدأ هذا النص، من تلك المسافة غير المرئية التي لا تفصل بين شخصين، بل بين مستوى رؤية وآخر.

ليس كل من يقرأ ما بين السطور يفعل ذلك رغبةً في التفوق، ولا كل من يلتقط نبرة الصوت أو ارتجافة النظرة أو تغيّر الإيقاع، يسعى لأن يكون أذكى من الآخرين. أحيانًا يكون الأمر أبسط… وأثقل. أن ترى فقط، أن تفهم قبل أن يُقال الشيء، أن يصلك المعنى قبل أن يكتمل الكلام.

وهذا النوع من الفهم لا يُعلَّم ولا يُدرَّس، ولا يأتي كمهارة يمكن إيقافها متى شئت. هو طريقة وجود. هناك أشخاص لا يسمعون الكلمات فقط، بل يسمعون ما خلفها. يقرأون الحسد حين يتخفّى في المزاح، ويلتقطون التوتر في نبرة “عادية”، ويشعرون بالتحوّل قبل أن يحدث. ليس لأنهم يشكّون، بل لأن وعيهم يعمل على طبقة أعمق من الظاهر.

وهذا العمق هو ما يجعلهم دائمًا خطوة أو أكثر أمام اللحظة. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا التقدّم لا يمنحهم امتيازًا اجتماعيًا، بل يضعهم في منطقة رمادية: لا ينتمون إلى السطح، ولا يجدون بسهولة من يشاركهم العمق. فيجدون أنفسهم غرباء وسط الجمع، فهم لم يختاروا ان يكونوا مختلفين عمدًا، بل لأنهم يرون أكثر مما يُقال، ويفهمون أكثر مما يُحتمل.

مع الوقت، يتعلّمون التخفّي. لا يخفضون ذكاءهم، بل يخفون أثره. يختصرون أفكارهم، يبتسمون حين لا يقتنعون، ويهزّون رؤوسهم احترامًا لرأي جمعي يعرفون في داخلهم أنه ناقص، لكنهم يصمتون. ليس خوفًا، بل حفاظًا على السلام.

لأن التعب لا يأتي من الاختلاف، بل من الشرح المتكرر، ومن الدفاع عن رؤية لا يريد أحد سماعها، ومن الهجوم الذي يُقابل به كل من يخرج عن الإجماع. فيختارون الصمت لأنهم يعرفون أن بعض العقول لا تريد الفهم، بل الطمأنينة.

وهنا تتشكّل الوحدة الحقيقية. ليست وحدة غياب الناس، بل وحدة غياب الندّ. أن تكون محاطًا، لكن بلا من يراك على عمقك الحقيقي. أن تمتلك لغة داخلية ثرية، ولا تجد من يتحدث بها معك.

هذا النوع من الناس لا يبحث عن الإعجاب، ولا عن التقدير، ولا عن إثبات التفوق. هو يبحث عن حوار لا يحتاج إلى تبسيط، وعن حضور لا يطلب منه أن يُخفي نفسه كي يكون مقبولًا. لكن إلى أن يجد ذلك، يتقن فن التأقلم. يعيش بوجهين: وجه اجتماعي سلس، ووجه داخلي مزدحم بالتحليل والأسئلة والقراءات الصامتة.

يراقب، يفهم، ويسكت. لأن العمق، حين لا يجد من يحتمله، يتحوّل من نعمة إلى عبء خفي. ومع ذلك، يبقى هذا الوعي هو ذاته ما يحميه، لأنه يرى مبكرًا، ويفهم قبل الاصطدام، ويختار بحذر من يسمح له بالاقتراب من مساحته الحقيقية.

فليس كل صمت ضعفًا، ولا كل اختلاف عزلة، ولا كل وحدة خسارة. أحيانًا، أن تكون مختلفًا في تفكيرك وقراءتك للعالم هو الثمن الذي تدفعه لأنك لا تعيش بعين واحدة، ولا ترى نصف الحقيقة.

لذا نجد أن العمق ليس ترفًا ذهنيًا، ولا التفاتًا زائدًا للتفاصيل بدافع الشك، ولا رغبة في الاختلاف عن الآخرين. هو طريقة أخرى في الفهم، ترى ما يتجاوز الكلمات، وتسمع ما لا يُقال، وتلتقط الإشارات قبل أن تتحوّل إلى مواقف. لكن في عالمٍ اعتاد السرعة والسطح، يصبح هذا النوع من الوعي عبئًا غير معلن. ليس لأن العمق خطأ، بل لأن الجمع لا يحتمل من يرى أبعد مما اعتاد.

ومع الوقت، يتعلّم من يفهم أكثر أن يصمت أكثر. ليس خوفًا، ولا انسحابًا، بل إدراكًا بأن بعض الرؤى لا تُناقَش، وأن السلام أحيانًا أغلى من الانتصار للفكرة. فيختار الصمت، وتتّسع المسافة، ويُساء فهم الهدوء على أنه ابتعاد، بينما هو في حقيقته محاولة للبقاء.

وهكذا، لا تُصنع العزلة قرارًا، ولا تُطلب بوصفها حالة، بل تولد كنتيجة طبيعية للفهم العميق، حين لا يجد الوعي ما يوازيه، ولا يجد العمق من يحتمله. ففي الوعي المجتمعي، يولد العمق مصحوبًا بالعزلة…

وحين يكتمل العمق، نجد العزلة على مسافة صفر.


******************************************
– المصادر:
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم