حين كانت هوليوود تصنع الأساطير… وكانت النساء يصنعن هوليوود..كاترين دينوف وجه فرنسا الأبدي الشباب.

«لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»

— عن نجمات الزمن الجميل

كاترين دينوف وجه فرنسا الأبدي: امرأة لم تشيخ في ذاكرة السينما، بل صارت أسطورةوُلدت كاترين فابيان دورليك في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1943 في باريس، في بيتٍ يتنفس المسرح من كل جدار. كان أبوها موريس دورليك ممثلًا، وأمها رينيه سيمونو ممثلة، وأختها الكبرى فرانسواز دورليك التي ستصبح لاحقًا نجمة سينمائية هي الأخرى، وتوأم روحها في الطفولة والشباب. نشأت الطفلة في كنف مدرسة كاثوليكية حتى الثانية عشرة، ثم بدأت تظهر في أفلام صغيرة وهي في الثالثة عشرة، فكان أول ظهور لها في فيلم «التلميذات» (Les Collégiennes) عام 1956، حيث قالت لاحقًا: «أدّيت دوري في الفيلم وأنا بزي المدرسة».كانت بدايتها متواضعة، أدوارًا ثانوية هنا وهناك، حتى جاء عام 1963 حين منحها المخرج روجيه فاديم دورًا أكبر في «الرذيلة والفضيلة» (Le vice et la vertu)، ثم تزوجت منه وأنجبت منه ابنها كريستيانجاء الاختراق الحقيقي عام 1964 حين اختارها المخرج جاك ديمي لبطولة فيلم «مظلات شيربور» (Les Parapluies de Cherbourg)، وهو فيلم موسيقي رومانسي أدّت فيه دور فتاة من الطبقة الوسطى تقع في حب جندي شاب، ثم تجد نفسها سجينة زواج بلا حب. كان أداؤها فيه لا يُنسى، فصار علامة على موهبتها الفطرية في تجسيد البرود الظاهر والانفعال الداخلي في آن واحدوتوالت الأدوار التي رسّخت صورتها كـ«الفاتنة الفاترة» (frigid femme fatale). في عام 1965، أدّت دور قاتلة مصابة بالفصام في «الاشمئزاز» (Repulsion) لرومان بولانسكي. ثم جاء عام 1967 ليهبها أحد أكثر أدوارها خلودًا: «حسناء النهار» (Belle de Jour) للمخرج لويس بونويل، حيث جسّدت امرأة متزوجة تعمل عاهرة بدوام جزئي في فترة بعد الظهر. قالت عنها النيويورك تايمز إنها «ممثلة استثنائية متعددة المواهب»، وفي هذا الفيلم وضعت بصمتها الأبدية على السينما العالميةفي عام 1970، عادت للعمل مع بونويل في «تريستانا» (Tristana)، ثم أدّت دورًا بارزًا في «حورية المسيسيبي» (La Sirène du Mississipi) لفرانسوا تروفو عام 1969. وفي عام 1980، جاء فيلم «المترو الأخير» (Le Dernier Métro) لتروفو، حيث أدّت دور ممثلة مسرحية في باريس المحتلة، وهو الفيلم الذي أنقذ مسيرتها في السبعينيات ومنحها جائزة سيزار الأولى لأفضل ممثلة.وفي عام 1992، وقفت أمام المخرج ريجيس فارنييه في «الهند الصينية» (Indochine)، وهو ملحمة عن الحرب الفرنسية-الهندية، فنالت ترشيحها الأول لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، وفازت بجائزة سيزار الثانيةعلى مدى ستة عقود، ظهرت كاترين دينوف في أكثر من مئة وعشرين فيلمًا، وعملت مع كبار مخرجي القرن العشرين: بولانسكي، وبونويل، وتروفو، وجاك ديمي، وتوني سكوت، ولارس فون ترير، وفرانسوا أوزون، وهيروكازو كورياييدا. وفي عام 2002، وقفت أمام سبع ممثلات فرنسيات في «8 نساء» (8 Femmes) لفرانسوا أوزون، حيث أدّت دور غابي، السيدة التي تُكتشف أسرارها مع أسرار الأخريات في قصر معزول. وفي عام 2000، شاركت في «راقصة في الظلام» (Dancer in the Dark) للمخرج الدنماركي لارس فون ترير.كانت كاترين دينوف أكثر من مجرد ممثلة جميلة. كانت وجهًا يحمل تناقضًا خلاقًا: برودٌ نبيل، وقدرة على إظهار الهشاشة من خلف قناع الرصانة. وصفها معهد الفيلم الأمريكي بأنها واحدة من «أعظم سيدات السينما الفرنسية»، إلى جانب سيمون سينوريه وجان مورو وإيزابيل هوبير وإيزابيل أدجاني وجولييت بينوش.لكنها لم تكن يومًا ممثلة «هوليوودية» بالمعنى التقليدي. رفضت إغراءات هوليوود، وظلّت وفية للسينما الفرنسية والأوروبية، تقول: «السينما بشكل عام قريبة جدًا من المجتمع وحياة الناس في البلد. هذا ما نعنيه، على سبيل المثال، بالسينما الفرنسية».وقد أصبحت رمزًا وطنيًا لفرنسا نفسها. خلفت بريجيت باردو كنموذج لتمثال «ماريان»، رمز الجمهورية الفرنسية. واختيرت «أجمل الممثلات الفرنسيات» خلال أربعة عقود، لكنها لم تكتفِ بالجمال: كانت تمثل أدوارًا صعبة، غريبة، غير مألوفة، من عاهرة إلى مصاصة دماء إلى قاتلة مصابة بالفصام.الحياة الشخصية والنضال العامارتبط اسم دينوف برجال كبار: روجيه فاديم، مارشيلو ماستروياني (والد ابنتها كيارا)، والمصور البريطاني ديفيد بيلي. لكنها حرصت دائمًا على إحاطة حياتها الخاصة بستائر سميكة، لا يرى الجمهور منها إلا ما تسمح به.وكانت إلى جانب ذلك امرأة ذات موقف. في عام 1971، وقّعت مع سيمون دي بوفوار ومارغريت دوراس على بيان يدعو إلى إلغاء قانون منع الإجهاض في فرنسا. وفي مطلع عام 2018، أثارت جدلًا عالميًا حين أعربت عن تحفظاتها على حركة «#أنا_أيضًا» (MeToo)، فقوبلت آراؤها بانتقادات واسعة، لكنها ظلّت متمسكة بموقفها.ما زالت كاترين دينوف تعمل حتى اليوم. في عام 2026، تشارك في فيلم «حكايات متوازية» (Parallel Tales) للمخرج الإيراني أصغر فرهادي، وفيلم «أو لا شيء» (Marcello Mio) الذي أدّت فيه دور نفسها، كما تظهر في أعمال لاحقة حتى عام 2030.وعندما سُئلت عن التقدم في العمر، قالت بصدق: «الممثلون يتطورون مع العمر، من خلال أدوارهم وتجاربهم ولقاءاتهم. الجانب السيئ هو أن الوقت يؤثر على ملامحنا، وعلينا أن نقبل ذلك». لكنها أضافت: «إذا شعرت أن الأدوار لم تعد مثيرة للاهتمام، فسأعتزل، لكن ذلك اليوم لم يأتِ بعد»رحلت كاترين دينوف عن الشاشة؟ لا. ما زالت هناك. بعد أكثر من ستين عامًا على أول ظهور لها، وبعد أكثر من مئة فيلم، ما زالت وجهًا يعرف الجمهور الفرنسي أنه وجهه، ورمزًا تعرف السينما العالمية أنه رمزها. لم تشيخ في الذاكرة، لأنها لم تكن يومًا مجرد نجمة شابة. كانت امرأة، منذ البداية، عرفت كيف تكون أسطورة بلا سن.

اعضاء سمر محفوض

#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم