حين كانت أوغاريت تخاطب السماء: المعابد وطقوس القرابين في مدينة الآلهة..أصداء التراتيل فوق الأكروبول.- مشاركة: د.غسان القيم.

أصداء التراتيل فوق الأكروبول:حين كانت أوغاريت تخاطب السماء: المعابد وطقوس القرابين في مدينة الآلهة..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في مدينة أوغاريت. لم تكن المعابد مجرد أبنيةٍ من حجارةٍ صامتة بل كانت جسوراً بين الأرض والسماء ومرافئ روحية ترسو عندها قلوب البشر كلما أثقلتها أسئلة الوجود. وحين نقف اليوم فوق هضبة الأكروبول حيث تعانق الرياح بقايا معبدي بعل ودجن نشعر أن الزمن لم يمحُ تماماً وقع الأقدام التي صعدت تلك الدرجات حاملةً القرابين والابتهالات قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام غبرت.
لقد منحتنا المكتشفات الأثرية والنصوص المسمارية الأوغاريتية نافذة واسعة نطل منها على عالمٍ كانت فيه الآلهة حاضرةً في تفاصيل الحياة اليومية في الحقول التي تنتظر المطر وفي السفن التي تغادر المرافئ وفي البيوت التي تتطلع إلى الخصب والسلام. ومع ذلك فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن عشرات الآلاف من الرقم الطينية التي كشفت أسرار الدين الأوغاريتي لم يرافقها إلا عدد محدود من المنشآت الدينية التي أمكن التعرف عليها أثرياً بصورة مؤكدة.
فوق الأكروبول ارتفع معبدا بعل ودجن شامخين منذ مطلع الألف الثاني قبل الميلاد وبقيا يؤديان رسالتهما المقدسة حتى اللحظات الأخيرة من عمر المدينة في مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد. هناك كانت تتصاعد أدخنة القرابين نحو السماء، وتحمل الرياح روائح البخور والذبائح بينما يتلو الكهنة تراتيلهم بلغاتٍ حفظتها الألواح الطينية وأضاعتها القرون.
أما ما عُرف اصطلاحاً بـ”المعبد الحوري” في المنطقة الملكية فقد بقي لغزاً أثرياً مثيراً للتأمل. فالفأس النذرية وبعض اللقى الصغيرة لم تكن كافية لرسم صورة واضحة عن طبيعة الطقوس التي مورست فيه لكنها تركت لنا خيطاً رفيعاً يقود إلى احتمال أن الحياة الدينية لم تكن محصورة في معابد الأكروبول وحدها بل امتدت أيضاً إلى أروقة القصر الملكي ومرافقه المقدسة.
وحين تصمت الحجارة تتكلم النصوص. فالألواح المكتشفة في أوغاريت تخبرنا عن شبكة واسعة من الشعائر والاحتفالات الدينية وعن قرابين كانت تقدم للآلهة في مناسبات موسمية ودورية. وتكشف لنا أن عملية الذبح والتقدمة لم تكن عملاً عفوياً بل طقساً منظماً يخضع لقواعد دقيقة يشرف عليها الكهنة أولئك الذين كانوا حلقة الوصل بين عالم البشر وعالم القوى الإلهية.
نتخيل اليوم تلك المنشآت المقدسة وقد ازدحمت بالحركة مذابح كبيرة تستقبل القرابين ومواقد تتصاعد منها ألسنة النار وقاعات للطعام الاحتفالي يجتمع فيها المشاركون بعد انتهاء الطقوس ومطابخ تُعد فيها لحوم الأضاحي وفق تقاليد راسخة. لم يكن تقديم القربان مجرد فعل تعبدي بل كان مناسبة اجتماعية ودينية تؤكد وحدة المجتمع تحت رعاية الآلهة.
وهكذا فإن ما كشفته مواسم التنقيب الأثري خلال العقود الماضية لا يمثل سوى جزءٍ من المشهد الكبير. فبين الحجارة الباقية والنصوص المكتوبة تتشكل صورة أوغاريت كمدينةٍ كانت الروح الدينية تنبض في شوارعها وأسواقها وقصورها ومعابدها. مدينةٍ آمنت بأن انتظام الكون مرهونٌ بانسجام الإنسان مع القوى المقدسة وأن القرابين والتراتيل لم تكن سوى لغةٍ يخاطب بها البشر السماء أملاً بالخصب والأمان واستمرار الحياة.
وما تزال بقايا معبدي بعل ودجن الواقفة فوق الأكروبول في مواجهة البحر والريح تروي بصمتها العميق حكاية تلك العلاقة القديمة بين الإنسان والمقدس حكاية مدينةٍ جعلت من العبادة جزءاً من هويتها ومن الطقوس الدينية مرآةً لحضارةٍ ما زالت أصداؤها تتردد في ذاكرة التاريخ حتى اليوم.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم

أخر المقالات

منكم وإليكم