…الرحلة التي كادت أن تتحول الى كارثة
حين صار القمر بعيد المنال
.في ذروة الحرب الباردة انطلقت الرحلة المنحوسة “أبوللو13” في 11 أبريل 1970، وعلى متنها الرواد الثلاثة جيم لوفيل، وجاك سويجرت، وفريد هايز.
كانت المهمة الأساسية لها الهبوط في منطقة “فراماورو” على القمر،و لكن ليس كل ما يطلب، وكان يختبئ لهم ما هو أبعد من مجرد الهبوط.
في اليوم الثالث من الرحلة، وعلى بعد حوالي 320,000 كيلومتر من الأرض، انفجر خزان الأكسجين رقم 2 داخل وحدة الخدمة.
اهتزت المركبة بعنف، وأطلق جاك سويجرت جملته الشهيرة التي حبست أنفاس العالم: “هيوستن، لقد واجهنا مشكلة هنا”.
لم يكن الأمر مجرد عطل، بل كان فقداناً تاماً للأكسجين والطاقة الكهربائية في المركبة الرئيسية “أوديسي”.
ومع تسرب الأكسجين إلى الفضاء، تحولت “أوديسي” إلى مكان غير صالح للحياة.
أصبح من الواضح أن المحرك الصاروخي الرئيسي لوحدة الخدمة المتضررة لن يعمل.
اضطر الرواد الثلاثة للانتقال إلى “وحدة الهبوط القمرية” (التي تُدعى أكواريوس) واستخدامها كـ “قارب نجاة”.
بعد أن أشارت هيوستن على طاقم الرواد الانتقال من كبسولة القيادة وهي القريبة من وحدة الخدمة إلى المركبة القمرية حيث أنها أكثر أمانا في تلك الظروف.
والاستعانة بها كملجأ آمن واستغلال محركها الصاروخي لإعطائهم دفعة تعيدهم إلى الأرض.
المشكلة أن هذه الوحدة كانت مصممة لهبوط رجلين فقط على القمر لمدة يومين، والآن عليها أن تحمل ثلاثة رجال لمدة أربعة أيام حتى العودة للأرض.
واجه الرواد والمهندسون في قاعدة هيوستن على الأرض تحديات مميتة ..
حاسوب المركبة القمرية مبرمجا ببرنامج يعمل على الهبوط الهادئ على القمر وليس مبرمجا ببرنامج العودة إلى الأرض.
فكان على رواد الفضاء نقل برنامج العودة إلى الأرض من حاسوب كبسولة القيادة إلى حاسوب المركبة القمرية يدويا.
وقد أجروا ذلك بكل دقة آملين أن لا يحدث خطأ خلال إملاء البيانات في الحاسوب، ولم تكن لهم الاستطاعة في تجريبه قبل لحظة التنفيذ.
كاد الرواد أن يختنقوا لأن المصافي في “أكواريوس” لم تكن مصممة لهذا العدد. ابتكر المهندسون على الأرض حلاً باستخدام خرائط يدوية، وأكياس بلاستيكية، وخرطوم مكنسة، وشريط لاصق لصناعة مصفاة بديلة.
و لإدارة الطاقة المحدودة، أُطفئت جميع أجهزة التدفئة. انخفضت الحرارة لدرجة التجمد، وبدأ الماء يتكثف على الأجهزة، مما جعل النوم مستحيلاً وسط الارتجاف المستمر.
ولكنهم قاموا بذلك بنجاح بحيث أن أعطاهم صاروخ المركبة القمرية الدفعة خلف القمر لمدة دقائق للعودة إلى الأرض.
ومن حسن حظهم في تلك الظروف أن حدث الانفجار في وحدة الخدمة ساعات قبل وصولهم إلى القمر بحيث استطاعوا خلال ذلك الوقت التجهيز لنقل برمجة حاسوب المركبة القمرية للعودة.
وعندما وصل الرواد خلف القمر قاموا بتشغيل صاروخ المركبة القمرية بالحد اللازم لاتخاذ المسار نحو الأرض، وكان عليهم قرب الوصول إلى الأرض – طبقا لتعليمات مركز القيادة بهيوستن – أن يوجهوا مسار المركبات بدقة نحو الخط الفاصل بين الليل والنهار على الأرض والتي كانت تبدو لهم كالهلال، وذلك لضبط سقوطهم على الأرض بالزاوية السليمة .
أما على الجانب الآخر من العالم ،في موسكو و بمجرد انتشار خبر الانفجار وتعرض حياة الرواد الثلاثة للخطر، لم يشمت الاتحاد السوفيتي في غريمه، بل سادت حالة من التضامن الإنساني.
أصدرت الحكومة السوفيتية بياناً رسمياً أعربت فيه عن قلقها العميق، ووجهت برقية إلى الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون تقول فيها:
“إننا نتابع بقلق بالغ ونأمل مخلصين في عودة الرواد الشجعان سالمين إلى الأرض”.
لم يكتفِ السوفييت بالكلمات؛ فقد أصدرت القيادة السوفيتية أوامر فورية لأسطولها البحري في المحيطين الأطلسي والهادئ بالاستعداد التام للمساعدة في عمليات الإنقاذ إذا ما هبطت الكبسولة في مناطق نفوذهم أو بعيداً عن السفن الأمريكية.
بل إنهم أمروا جميع السفن السوفيتية بوقف أي تجارب لاسلكية أو تشويش لضمان بقاء قنوات الاتصال بين “أبولو 13″ و”هيوستن” صافية تماماً.
في الصحافة السوفيتية، تم تصوير الرواد الأمريكيين كـ أبطال يواجهون المجهول.
قيل حينها في الأوساط العلمية السوفيتية إن هذه الرحلة أثبتت أن “الفضاء عدو مشترك للجميع”، وأن ما حققته ناسا في إعادة الرواد أحياء بمعدات محطمة هو “انتصار للعقل البشري” يتجاوز حدود الجنسيات.
كان المشهد وكأنَّ تلك الرحلة المنحوسة قد فعلت ما لم تفعله المعاهدات؛ إذ وحّدت قلوب البشر في شرق الأرض وغربها، ليلهج الجميع بدعاء واحد: ‘عودوا بسلام’.
لقد أثبت السوفييت في ذلك اليوم أنَّه مهما بلغت الخصومة، يظلُّ دم الإنسان أغلى من غبار القمر.
وأخيراً في 17 أبريل، اقتربت المركبة من الغلاف الجوي للأرض.
كان على الرواد الانتقال مجدداً إلى وحدة القيادة “أوديسي” (المحطمة) لأنها الوحيدة المزودة بدرع حراري. حبس العالم أنفاسه لمدة 6 دقائق فترة انقطاع الاتصال اللاسلكي أثناء الدخول، حتى ظهرت المظلات الثلاث في سماء المحيط الهادئ.
في هذا اليوم لم تلمس أقدام طاقم أبولو 13 تراب القمر، لكنهم لمسوا حدود الإرادة البشرية.
صدر في عام 1995، فيلم “Apollo 13” و الذي يعد واحداً من أعظم الأفلام التي جسدت الواقعية التاريخية والعلمية في السينما.
الفيلم من إخراج العبقري رون هوارد، وقام بدور القائد “جيم لوفيل” الممثل القدير توم هانكس. تميز الفيلم بأداء استثنائي نقل للمشاهدين مشاعر الرعب، البرد، والتوتر العالي داخل تلك الكبسولة الضيقة….
. اعداد: محمود سالم


