حين تتحول العادات الى سجن ..المخرج راكان مياسي واتقان مبهر في توصيف سلطة. سطوة العادات بفيلم «البارح العين ما نامت» .

💥 «البارح العين ما نامت» .. وجع النساء في مسابقة الجونة راكان مياسي يحوّل العادات إلى سجن بصر يالجونة، مصر ـ خاص «سينماتوغراف»في المسابقة الرسمية للدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، لا يصل «البارح العين ما نامت» بوصفه حكاية اجتماعية أخرى عن سلطة العادات، بل كاختبار للقدرة على تحويل هذه السلطة إلى لغة سينمائية تُرى قبل أن تُشرح. في فيلمه الروائي الطويل الأول، بعد عرضه العالمي في قسم «نظرة ما» بمهرجان كان، يختار الفلسطيني راكان مياسي الطريق الأصعب، أن يتحدث عن العنف من دون أن يرفع صوته، وعن القهر من دون أن يحوّل شخصياته إلى شعارات.هذه ليست سينما تضع القضية في مقدمة الكادر ثم تطلب من المتفرج التعاطف معها. القضية موجودة في الخلفية، في طريقة الوقوف، وفي المسافة بين جسدين، وفي نظرة تتوقف قبل أن تتحول إلى فعل. ولذلك فإن أكثر ما يلفت في الفيلم ليس ما تقوله شخصياته، وإنما ما لا تستطيع قوله.منذ اللقطة الأولى، حين تشتعل شاحنة في فضاء مفتوح، يضع مياسي النار في مواجهة السكون. لا يستخدم الصورة باعتبارها مقدمة درامية للحدث، بل باعتبارها مفتاحاً بصرياً لعالم يبدو واسعاً جغرافياً، لكنه مغلق اجتماعياً. هنا تكمن إحدى مفارقات الفيلم الأساسية، كلما اتسعت الطبيعة أمام الشخصيات، ضاقت خياراتها.سهل البقاع ليس مجرد مكان تجري فيه الأحداث. إنه بنية كاملة للسلطة. الطرق الترابية، البيوت، الحقول، الأشجار والسماء لا تمنح الشخصيات حرية حقيقية، لأن الجغرافيا المفتوحة محكومة بقواعد اجتماعية غير مرئية. وهذه المسافة بين اتساع المكان وضيق المصير هي ربما أفضل ما يفعله مياسي بصرياً.الكاميرا لا تقتحم هذا العالم. تراقبه.والفرق مهم. فالمخرج لا يبحث عن اللقطة التي تصرخ بالقسوة، بل عن اللقطة التي تجعل القسوة تبدو جزءاً من الحياة اليومية. لا توجد موسيقى أخلاقية تشرح للمشاهد متى يجب أن يغضب، ولا مونولوجات تفسر له لماذا ما يحدث غير عادل. يترك مياسي السلوك نفسه يؤدي هذه المهمة.بهذا المعنى، يبدو الفيلم أقرب إلى سينما المراقبة منه إلى الدراما الاجتماعية التقليدية. الشخصيات تتحرك داخل الكادر كما لو كانت تعرف مسبقاً حدود المساحة المسموح لها بها. وحتى حين تكون الطبيعة مفتوحة، تظل الحركة محكومة بما هو متوارث ومقرر سلفاً.ولعل هذا ما يجعل النساء في الفيلم أكثر من شخصيات ضحية. ريم وجواهر لا تُقدمان باعتبارهما تمثيلاً مجرداً لـ«المرأة المقهورة»، بل كإنسانين يحاولان اقتناص مساحات صغيرة من الحياة داخل نظام لا يعترف أصلاً بحق المرأة في تقرير مصيرها.ريم، بما تحاول الاحتفاظ به من استقلال، وجواهر بما لديها من حيوية وتمرد، تكشفان اختلاف طرق المقاومة حين تكون الخيارات محدودة. ولا تحتاج أي منهما إلى خطاب نسوي معلن، وجودهما داخل هذا العالم، ومحاولتهما الاحتفاظ بشيء من الذات، يكفيان.الأكثر قسوة أن مياسي لا يبني عالمه على رجال أشرار ونساء أبرياء. إنه يفعل العكس تقريباً. يجعل منظومة العادات تبدو طبيعية بالنسبة إلى من يعيشون داخلها. وحين تتحول النساء إلى جزء من تسوية عشائرية، لا يقدم المشهد باعتباره استثناءً صادماً، بل باعتباره فعلاً اجتماعياً تم تطبيع قسوته عبر الزمن.وهنا يصبح الفيلم أكثر تعقيداً من مجرد إدانة للعادات. فهو يسأل، من دون أن يصوغ السؤال مباشرة، كيف يمكن للعنف أن يستمر حين يتوقف المجتمع عن رؤيته بوصفه عنفاً؟.الإجابة لا تأتي في الحوار، وإنما في الإيقاع.فالفيلم بطيء عمداً، وربما أكثر مما يحتمل بعض المتفرجين. لكن بطء مياسي ليس مجرد خيار جمالي، إنه جزء من موقفه من الشخصيات. إنه يرفض اختزال حياتها في لحظات الأزمة، ويمنحها وقتاً كي تظهر وهي تأكل، وتعمل، وتتحدث، تنتظر، وتضحك. هذه التفاصيل التي تبدو زائدة في فيلم تقليدي تصبح هنا ضرورية، لأنها تمنع الشخصيات من التحول إلى ضحايا وظيفيين داخل حبكة.في المقابل، يدفع هذا الخيار الفيلم أحياناً إلى حافة الترهل. بعض المقاطع تبدو منفصلة عن المسار الدرامي، وبعض المشاهد التأملية لا تضيف بالضرورة إلى تطور الحكاية بقدر ما تضيف إلى مزاجها. مياسي يراهن على أن يتبع المشاهد الإيقاع الداخلي للصورة، لكن هذا الرهان لا ينجح دائماً.ومع ذلك، فإن الفيلم يحقق في لحظاته الأفضل شيئاً أكثر أهمية من التماسك التقليدي: يصنع إحساساً بالمكان.الريح، الأشجار، الطريق، الليل، الأصوات البعيدة، والفراغات الواسعة بين الشخصيات، كلها تتحول إلى عناصر درامية. لا نرى البيئة فحسب، بل نشعر بأنها تضغط على الشخصيات بطريقة لا تحتاج إلى تفسير. وهذا استخدام ناضج للصورة في فيلم أول، ويكشف عن مخرج يعرف أن السينما لا تبدأ دائماً من الحدث، بل يمكن أن تبدأ من المسافة التي تضعنا فيها أمامه.حتى مشهد الزفاف، الذي كان يمكن أن يتحول بسهولة إلى استعراض فولكلوري، يتعامل معه مياسي بحذر. الموسيقى والرقص والألوان والحركة الجماعية تبدو في ظاهرها احتفالاً، لكن الكاميرا تترك الحزن يتسرب من التفاصيل. يصبح الفرح نفسه شكلاً آخر من أشكال القيد، وتتحول الطقوس إلى مسرح اجتماعي يفرض على الشخصيات أداء أدوار لم تخترها.وهنا تبرز براعة الفيلم في استخدام التناقض بين الصورة والإحساس. ما تراه العين ليس دائماً ما تعيشه الشخصية. حفلة يمكن أن تكون مأتماً داخلياً، وفضاء مفتوح يمكن أن يكون سجناً، وقراراً يبدو جماعياً يمكن أن يخفي غياباً كاملاً للإرادة الفردية.حتى لحظات الفكاهة الصغيرة، مثل مشهد البقرة التي ترفض الحلب أو الأحاديث الليلية بين الشقيقتين، تؤدي وظيفة جمالية تتجاوز التخفيف من قتامة الفيلم. إنها تمنح الشخصيات حياة خارج المأساة، وتذكّرنا بأن الإنسان لا يعيش طوال الوقت داخل القضية التي يتحدث عنها الفيلم.ومن هنا تأتي أهمية الخلفية الشخصية للعمل. استلهام مياسي جزئياً قصة جدته التي أُجبرت على الزواج وهي في الرابعة عشرة يضيف طبقة أخرى إلى هذه اللغة، فالفيلم لا يبدو كأنه يراقب عالماً بعيداً من الخارج، بل كأنه يحاول الاقتراب من ذاكرة شخصية وتحويلها إلى شكل بصري. ومع ذلك، لا يحوّل المخرج هذه الذاكرة إلى اعتراف مباشر أو سيرة عائلية، بل يتركها تتسرب إلى العالم الذي صنعه.قد لا يكون «البارح العين ما نامت» فيلماً مثالياً من الناحية الدرامية. إيقاعه شديد البطء، وبعض مساراته تظل أقل تطوراً مما توحي به بداياتها. لكن قيمته لا تقاس فقط بما يرويه، وإنما بالطريقة التي يختار بها أن يُرى. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم