🔷 مفهوم «اللامفكَّر فيه» عند محمد أركون. يعدّ مفهوم «اللامفكَّر فيه» من المفاهيم المركزية في المشروع النقدي للمفكر الجزائري محمد أركون، إذ استخدمه للكشف عن المناطق المسكوت عنها والمستبعَدة من التفكير داخل التراث الإسلامي، وعن الأسئلة التي لم يُسمح للعقل الإسلامي بطرحها، أو التي جرى إخراجها من دائرة النقاش المشروع بفعل عوامل دينية وسياسية واجتماعية وتاريخية.لم يكن أركون يسأل فقط: ماذا فكّر المسلمون عبر تاريخهم؟ بل كان يطرح سؤالًا أكثر جذرية: ما الذي لم يستطيعوا التفكير فيه؟ ولماذا أصبح التفكير فيه ممنوعًا أو مستحيلًا؟أولًا: ما المقصود باللامفكَّر فيه؟يميّز أركون، في تحليله لتاريخ الفكر الإسلامي، بين ثلاثة مجالات مترابطة:المفكَّر فيه: القضايا والأفكار التي جرى إنتاجها وتداولها داخل الثقافة الإسلامية، وأصبحت جزءًا من خطابها المعترف به.اللامفكَّر فيه: القضايا التي لم تُبحث بصورة كافية، أو التي لم تتطور أدوات التفكير فيها بسبب حدود معرفية وثقافية وتاريخية.الممنوع من التفكير فيه: القضايا التي تتعرض للإقصاء أو التحريم أو الوصم، بحيث يصبح الاقتراب منها محفوفًا بالمخاطر الدينية أو الاجتماعية أو السياسية.وهذه التفرقة توضيحية لفهم مشروعه، وليست بالضرورة تصنيفًا ثلاثيًا ثابتًا ومستقلًا في جميع كتاباته؛ إذ تتداخل هذه المجالات في تحليلاته.فقد تتحول قضية كانت قابلة للنقاش في مرحلة تاريخية معينة إلى قضية محرّمة في مرحلة أخرى، وقد يصبح رأيٌ ما مقبولًا داخل جماعة ومرفوضًا داخل جماعة أخرى.إذن، اللامفكَّر فيه ليس مجرد جهلٍ بمسألة، بل هو سؤال عن الشروط التي تحدّد ما يمكن للعقل أن يفكر فيه وما يُدفع خارج حدود التفكير المقبول.ثانيًا: كيف يتكوّن اللامفكَّر فيه؟يرى أركون أن العقل لا يعمل في فراغ، بل يتحرك داخل منظومة من القواعد والمؤسسات والتصورات التي تحدّد ما يُعدّ معرفة مشروعة وما يُعدّ خروجًا على المألوف. ولذلك فإن ما نفكر فيه ليس نتاج قدراتنا العقلية وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بالتاريخ والسلطة والتعليم والمؤسسات الدينية والاجتماعية. ويمكن توضيح ذلك من خلال ثلاثة عوامل أساسية:1. سلطة المؤسسة الدينيةعندما تحتكر مؤسسة ما تحديد التفسير الصحيح للدين، فقد تتحول بعض الاجتهادات إلى حقائق نهائية، ويُستبعد ما يخالفها من دائرة النقاش المقبول.2. هيمنة التراث الموروثعندما نتعامل مع الموروث باعتباره إجابات مكتملة لا نتاجًا لتجارب تاريخية، فإننا نتوقف عن مساءلة الظروف التي أنتجته، وننسى أن بعض القضايا التي تبدو بديهية اليوم كانت موضع صراع واختلاف في الماضي.3. غياب الأدوات النقديةإن إهمال التاريخ واللسانيات والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع يجعلنا نقرأ النصوص والأفكار بمعزل عن شروط نشأتها، فنحوّل الظواهر التاريخية إلى حقائق تبدو خارج التاريخ.ثالثًا: مثال تطبيقي من التراث الإسلاميلنفترض أننا ندرس تاريخ علم الكلام، أي العلم الذي بحث في قضايا العقيدة والعقل والإرادة والصفات الإلهية.لا يكتفي أركون بالسؤال: أي الفرق كانت على صواب؟ وأيها كانت على خطأ؟ بل يدعونا إلى طرح أسئلة أخرى:لماذا أصبح رأيٌ كلاميٌّ معين هو الرأي المعتمد في مرحلة تاريخية محددة؟ما الظروف السياسية والاجتماعية التي ساعدت على انتشار بعض المذاهب وتراجع غيرها؟كيف أثّر الصراع بين الفرق في تحديد حدود الاعتقاد المقبول؟ما الأفكار التي اختفت من الذاكرة الجماعية، رغم أنها كانت حاضرة في النقاشات القديمة؟هذه الأسئلة تنقلنا من مجرد إعادة إنتاج الأحكام الموروثة إلى دراسة تاريخ تشكّل الحقيقة الدينية داخل المجتمع. وهي لا تفترض مسبقًا أن كل عقيدة مجرد صناعة سياسية، بل تسعى إلى فهم العلاقة بين الاعتقاد والتاريخ والسلطة والمعرفة. رابعًا: ما علاقة اللامفكَّر فيه بنقد العقل الإسلامي؟هنا تكمن أهمية المشروع الأركوني؛ فهو لا يريد فقط إصلاح بعض الأفكار داخل العقل الإسلامي، بل يريد مساءلة الآليات التي جعلت بعض الأفكار ممكنة، وأقصت أفكارًا أخرى.فبدلًا من الاكتفاء بنقد النتائج، يدعونا إلى نقد القواعد التي أنتجت تلك النتائج.وهذا يعني أن السؤال لم يعد مقتصرًا على: هل هذا التفسير صحيح أم خاطئ؟ بل أصبح يشمل أيضًا: كيف نشأت معايير الصحة والخطأ؟ ومن امتلك سلطة تثبيتها؟ وما المناهج التي يمكن أن تساعدنا على إعادة فحصها؟ولهذا استعان أركون بمناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبالتحليل التاريخي واللغوي والأنثروبولوجي، في مشروعه الذي عُرف باسم «الإسلاميات التطبيقية». ومن أبرز كتبه التي تتصل بهذا الموضوع كتاب اللامفكَّر فيه في الفكر الإسلامي المعاصر، الذي يطرح فيه ضرورة تحرير البحث في الإسلام من المسلّمات التي تمنع إخضاع التراث للتحليل التاريخي والنقدي.خامسًا: هل اللامفكَّر فيه هو نفسه الممنوع من التفكير فيه؟ليس تمامًا، وهذه نقطة مهمة لفهم أركون بدقة.اللامفكَّر فيه هو ما لم يخضع للتفكير النقدي الكافي، أو لم تتطور الشروط المعرفية التي تسمح بطرحه.الممتنع عن التفكير فيه هو ما يُنظر إليه داخل منظومة معينة باعتباره غير قابل للتفكير أو غير مسموح به.المفكَّر فيه هو ما دخل بالفعل في مجال التفكير والتداول.هذه المجالات ليست حدودًا ثابتة؛ فقد يتحول موضوع من اللامفكَّر فيه إلى المفكَّر فيه عندما تظهر مناهج جديدة أو تتغير الشروط الثقافية والاجتماعية. ويشير هذا التصور إلى أن تاريخ الفكر ليس تاريخ الأفكار التي ظهرت فقط، بل أيضًا تاريخ الأسئلة التي غابت أو أُقصيت. سادسًا: ما القيمة الفلسفية لهذا المفهوم؟تكمن القيمة الفلسفية لمفهوم اللامفكَّر فيه في أنه يجعل العقل موضوعًا لنقد نفسه. فالعقل النقدي لا يسأل عن موضوعاته فحسب، بل يسأل كذلك عن حدوده، وعن العوامل التي تتحكم في اشتغاله.ومع ذلك، فإن مشروع أركون يثير نقاشًا فلسفيًا: هل تستطيع المناهج التاريخية والاجتماعية تفسير جميع أبعاد الظاهرة الدينية؟ أم أن هناك فرقًا بين تفسير الظروف التاريخية لنشأة اعتقاد ما والحكم على صدقه الديني؟هذا سؤال مفتوح، ومن المهم التمييز بين المنهج الذي يستخدمه الباحث لفهم الظاهرة الدينية وبين الموقف الإيماني الذي يتخذه المؤمن منها.🔷 خلاصة فكريةإن مفهوم «اللامفكَّر فيه» عند محمد أركون هو دعوة إلى اكتشاف المساحات التي تركها العقل الإسلامي خارج دائرة السؤال، وإلى تحرير التفكير من الحدود التي فرضتها بعض القراءات المغلقة للتراث.فأخطر ما يمكن أن يصيب العقل ليس أن يخطئ في التفكير، بل أن يفقد القدرة على اكتشاف الأسئلة التي مُنع من طرحها، أو لم يتعلم أصلًا كيف يطرحها.ومن هنا يمكن تلخيص الرهان الأركوني في عبارة واحدة: لا يكفي أن نعيد التفكير في تراثنا؛ بل ينبغي أن نفكر أيضًا في الأسباب التي جعلتنا نفكر بطريقة معينة، وفي كل ما لم نتمكن من التفكير فيه.🔷
#كريم جدي# مجلة ايليت فوتو ارت.


