تربة الأمير ساروجا في دمشق:
حكاية أميرين، وخيط أخضر، وقلب ينبض في سوق شعبية
بقلم : خلدون عبد العزيز الخن.
في قلب مدينة دمشق القديمة، في سوق ساروجا، ذلك السوق الذي لا تشم فيه رائحة البهارات. لا. بل تفوح منه رائحة الخبز الطازج من الأفران، ورائحة المعجنات والفطاير الشامية التي تفطر الصائمين، ورائحة الحلويات والكروسان التي لا تقاوم، وأزيز المقالي في مطاعم الفول والحمص التي لا تخلو أبداً من زبون.
في زحام هذه الحياة اليومية الضاجة بالحركة والأصوات، حيث الباعة يتبارون بالنداء، والأهل يتجاذبون أطراف الحديث على وجبة فطور دسمة، هناك يقف مقام صامت، لا يعلن عن نفسه، وكأنه يحتفظ بسر لا يبوح به إلا لمن يطرق بابه.
لمحة من الخارج
عندما تقترب من المقام، ترى باباً صغيراً قديماً، ذا حافة خشبية عتيقة، مكسو من الداخل بصفائح حديدية سمراء، تقاوم الصدأ كما تقاوم النسيان.
وفوق هذا الباب، يرتفع بروز حجري متواضع، وفوقه نافذة صغيرة جداً في أعلى الواجهة. على يسار الباب، تطل نافذة ضيقة وطويلة تمتد من الأسفل إلى الأعلى، وكلها مبنية من اللبن الطيني الذي يذكرك ببساطة العمارة الشامية القديمة.
ولكن ما يلفت النظر حقاً هو ذلك الشبك الحديدي الذي يطل على المقام. وفوق هذا الشبك، نافذة مستطيلة الشكل، وفي قلبها نافذة صغيرة مقوسة، مليئة بزجاج مُججَّر (أي منقوش ومزخرف)، يدخل الضوء بهدوء وحساسية إلى قلب التربة.
أما الباب نفسه، فيحمل تفصيلة نادرة: مدقة حديدية على شكل يد، معلقة كجرس باب قديم، وكأنها تقول: “اطرق، وسأفتح لك”.
حكاية من دفن هنا؟
هذا المكان يحمل قصة غريبة، لا يعرفها إلا من يقرأ في طيات الحجر. القصة تحكي عن أميرين، عاش كل منهما في زمن مختلف، وجمعتهما هذه التربة.
الأول: الباني.. الأمير صارم الدين ساروجا
هو أمير دمشق في عهد نائب الشام الأمير تنكز. كان رجلاً قوياً، عينه السلطان الناصر محمد بن قلاوون أميراً على صفد ثم على دمشق.
توفي سنة 743 هجرية، ونُفي في أواخر حياته إلى القدس، حيث رحل عن الدنيا.
وبقي اسمه خالداً في هذا الحي الذي أسسه: سوق ساروجا.
الثاني: المدفون فعلاً.. الحاجب الكبير برسباي الناصري
توفي سنة 852 هجرية (1448 ميلادي)، وكان لقبه “الناصري”. وقد كان الحاجب الكبير في دمشق، أي صاحب أعلى منصب في الحجابة والقضاء بين الناس.
بعض المصادر تقول إنه هو الذي دفن بالفعل في هذه التربة، وقد بناها الأمير ساروجا من قبله.
إذن: الباني غير المدفون، والمدفون غير الباني. وهكذا تجتمع في هذا المكان الصغير روحان لأميرين من عصرين مختلفين.
وأخيراً.. الداخل
تدخل من ذلك الباب الصغير، فتجد نفسك في حجرة مربعة الأبعاد. في وسطها قبر حجري مسطّح، أبعاده 175×170 سم، وارتفاعه حوالي 70 سم.
فوق القبر، وُضع صندوقان خشبيان مغطيان بستائر خضراء، وكأنهما يشيران إلى قبرين مع أنه في الحقيقة قبر واحد خالٍ تماماً من أي كتابات أو نقوش.
ولكن ما رأيته أنت.. لم تذكره أي من المصادر القديمة.
فوق القبر، وفي الزوايا الأربع، توجد أحجار صغيرة، شامخة كأعمدة، تتجه إلى أربع اتجاهات. وملفوف على كل منها عصائب خضراء.
هذه الأعمدة الحجرية الصغيرة، تُعرف في العمارة المملوكية باسم “المُقبّات الحجرية”، وهي تفصيلة زخرفية أصلية من القرن الثامن الهجري، تؤكد أن هذا البناء ليس عادياً، بل هو مقام يحترف الدقة والجمال.
أما العصائب الخضراء التي لففتها الأيادي المجهولة على تلك الأعمدة، فهي عادة شامية عريقة، رمز للتبرك وتجديد العهد مع صاحب القبر، ودعاء خفي بالرحمة والمغفرة.
الخاتمة
اليوم، وأنت تمر بين محلات الفول والحمص، وتشتري كروساناً من الفرن القريب، وتقرأ الفاتحة على روح أميرين غابرين، أنت لست مجرد مارّ عابر.
أنت حارس الذاكرة.
لقد رأيت بعينيك قبة كانت المصادر تظنها اندثرت، وسجلت تفاصيل لم يدونها أحد، ولفت انتباهك ذلك الزجاج المججّر، وتلك المدقة على شكل يد، وتلك العصائب الخضراء فوق الأعمدة الصامدة.
وهكذا، يظل سوق ساروجا حياً ليس فقط بأفرانه ومطاعمه، بل بأسراره المدفونة في طيات ترابه، وبقلوب من يزورونها باحترام، ويقرؤون الفاتحة بخشوع.
رحم الله من سكن هذه التربة، وحفظ الله من زارها وقرأ لها الفاتحة.
المراجع:
· مديرية أوقاف دمشق، “مقام ساروجا”، موقع أوقاف دمشق، 31 أكتوبر 2012.
· شمس الدين العجلاني، “الأمير صارم الدين صاروجا مؤسس حي سوق صاروجا… تعددت الروايات وبقي الحي بالطراز المعماري المتميز والروعة والجمال”، جريدة الوطن السورية، 21 سبتمبر 2015.
· رمضان رشدان، “جامع الورد الكبير بدمشق”، الموسوعة الشاملة للحضارة الإسلامية.


