
أم كلثوم في حمص عام 1931
ليلة من الطرب الأصيل في ذاكرة المدينة
من القاهرة إلى بلاد الشام… حين عبر صوت كوكب الشرق مسارح سورية واستقر صداه في الذاكرة الحمصية
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: رحلة صوتٍ تجاوز الحدود
في تاريخ الغناء العربي محطاتٌ لا تُقاس بعدد الحفلات التي أُقيمت فيها، بل بما تركته من أثرٍ في وجدان الناس وذاكرة المدن. ومن بين تلك المحطات، تبرز زيارة كوكب الشرق أم كلثوم إلى بلاد الشام عام 1931، في رحلة فنية مبكرة حملت صوتها من القاهرة إلى مسارح بيروت ودمشق وحلب وحمص، قبل أن تتابع طريقها إلى فلسطين.
لم تكن تلك الرحلة مجرد سلسلة من الأمسيات الغنائية، بل كانت لقاءً ثقافياً بين فنانة أخذت مكانتها تتسع في العالم العربي، وجمهورٍ كان يتطلع إلى الاستماع مباشرةً إلى صوتها الذي عرفه من خلال الأسطوانات والإذاعات ووسائل الاتصال الموسيقي المتاحة آنذاك. وفي مدينة حمص، اتخذ هذا اللقاء طابعاً خاصاً؛ إذ ارتبط باسم مسرح «تياترو الروضة»، أحد المعالم المسرحية التي شهدت جانباً من الحياة الفنية والاجتماعية للمدينة في النصف الأول من القرن العشرين.
أم كلثوم في بلاد الشام: بداية الانتشار العربي
كانت أم كلثوم، المولودة في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية في مصر عام 1898، قد بدأت ترسّخ حضورها الفني في القاهرة خلال عشرينيات القرن الماضي. وبفضل قوة صوتها، ووضوح أدائها، وقدرتها على التعبير عن المعاني الشعرية، أخذت مكانتها تتجاوز حدود جمهورها المحلي، لتصبح واحدة من أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل الذائقة الغنائية العربية الحديثة.
وفي عام 1931، اتجهت إلى بلاد الشام في جولة فنية تُعد من المحطات المبكرة المهمة في مسيرتها خارج مصر. مثّلت هذه الرحلة فرصةً لتقديم فنها أمام جمهور جديد، كما كشفت عن اتساع المجال الذي تتحرك فيه الأغنية المصرية، وعن الروابط الثقافية التي جمعت بين المدن العربية من خلال الموسيقى والمسرح والاحتفالات العامة.
وكانت أم كلثوم ترافقها فرقتها الموسيقية، التي اعتمدت على تقاليد التخت الشرقي، بما يتيحه من حوار بين الصوت البشري والآلات الشرقية، وفي مقدمتها العود والقانون والكمان والإيقاعات. ويرتبط اسم الموسيقار محمد القصبجي ارتباطاً وثيقاً بمرحلة مهمة من تطورها الفني، وإن كانت تفاصيل توزيع الأدوار الموسيقية خلال كل محطة من محطات الجولة تحتاج إلى توثيق مستقل.
من بيروت إلى دمشق وحلب… مسار الطرب في المدن السورية
بدأت الجولة، وفق الرواية المتداولة عن رحلتها الشامية، من بيروت في سبتمبر/أيلول 1931، ثم انتقلت أم كلثوم إلى دمشق، حيث أحيت حفلات في حديقة المنشية. وبعد ذلك، حطّت رحالها في حلب، المدينة التي تمتلك تقاليد راسخة في الغناء والموسيقى الشرقية، وقدّمت فيها حفلات على مسرح «الشهبندر الجديد»، بحسب ما تذكره الروايات المتداولة عن الجولة.
وكانت هذه المدن تمثل بيئات فنية متباينة، يجمع بينها الشغف بالطرب الأصيل، وتختلف في طبيعة مسارحها وجمهورها وأجوائها الاجتماعية. وفي مثل هذه اللقاءات، لم يكن الفنان يقدم صوته فحسب، بل كان يدخل في حوار حي مع المستمعين؛ حوار تصنعه الاستجابة الجماعية، والتفاعل مع الجمل اللحنية، والإنصات إلى التحولات الدقيقة في الأداء.
وبعد محطة حلب، تأتي حمص في رواية الجولة بوصفها إحدى محطاتها السورية، حيث يُقال إن أم كلثوم أحيت حفلاً واحداً في المدينة، قبل أن تتابع رحلتها إلى فلسطين، مروراً بمدن حيفا ويافا والقدس.
ومع أهمية هذه المحطة في الذاكرة الفنية المحلية، فإن تحديد تواريخ الحفلات وأماكنها وتسلسلها الدقيق، وكذلك أسماء الأغنيات التي أُديت في كل مدينة، يظل بحاجة إلى الرجوع إلى الإعلانات الصحفية المعاصرة والوثائق والصور المحفوظة من تلك المرحلة.
«تياترو الروضة»… مسرح حمص الذي احتضن الحلم الفني
لا يمكن الحديث عن الحفلة المنسوبة إلى أم كلثوم في حمص من دون التوقف عند مسرح «تياترو الروضة»، الذي تذكر الروايات المحلية أنه افتُتح عام 1928، وكان من أبرز الفضاءات المخصصة للعروض الفنية في المدينة.
في تلك المرحلة، كانت المسارح أكثر من مبانٍ تُرفع على خشباتها الستائر؛ فقد كانت مراكز للحياة الاجتماعية والثقافية، تتلاقى فيها الموسيقى والمسرح والغناء، وتتشكل حولها ملامح جمهور جديد يتابع التحولات الفنية في مصر وبلاد الشام.
ومن هنا، تكتسب رواية إقامة حفلة أم كلثوم في هذا المسرح أهمية خاصة؛ فهي تربط بين اسم إحدى أبرز الشخصيات في تاريخ الغناء العربي وبين فضاء حمصي كان جزءاً من المشهد الثقافي للمدينة. وإذا ثبتت تفاصيل الحفلة في الوثائق الأصلية، فإنها ستضيف صفحة ذات قيمة إلى تاريخ المسرح والموسيقى في حمص.
وترد في بعض الروايات إشارات إلى أن ثمن التذكرة بلغ ليرة سورية واحدة، وهي معلومة تستحق التحقق من إعلانات الحفلة أو المصادر الصحفية التي عاصرت الحدث، ولا سيما أن قيمة العملة المتداولة آنذاك لا ينبغي الخلط بينها وبين الليرة الذهبية الرشادية من دون دليل تاريخي واضح.
أم كلثوم… صوتٌ يصنع حضوره على الخشبة
كان سر أم كلثوم لا يكمن في قوة الصوت واتساع مداه فحسب، بل في قدرتها على بناء الجملة الغنائية وتطويرها، وفي علاقتها بالنص الشعري واللحن والإيقاع. كانت تمنح الكلمة وقتها، وتعيد تشكيل العبارة من خلال التنويع في الأداء، فتنتقل من الهدوء إلى القوة، ومن الشجن إلى الانطلاق، وفق مقتضيات المعنى الموسيقي والعاطفي.
وقد جعل هذا الأسلوب حفلاتها مناسبات تتجاوز حدود الاستماع العابر؛ إذ أصبح الجمهور شريكاً في التجربة، يتابع التحولات الصوتية، ويتفاعل مع التكرار والتطريب، ويعيش مع الأغنية بوصفها حدثاً يتشكل لحظةً بلحظة.
وفي فضاء مسرحي مثل «تياترو الروضة»، كان من الممكن أن تتضاعف قيمة اللقاء بين الفنانة والجمهور بفعل القرب المكاني والطابع الحي للأداء. غير أن وصف تفاصيل الأمسية الحمصية، أو تحديد الأغنيات التي قُدمت فيها، يقتضي الاستناد إلى شهادة معاصرة أو وثيقة موثوقة، حتى لا تتحول الذاكرة الفنية إلى رواية تُضاف إليها تفاصيل لم تثبت تاريخياً.
حمص في ذاكرة الموسيقى العربية
تمتلك حمص تاريخاً اجتماعياً وثقافياً تتقاطع فيه الحياة الشعبية مع الفنون المسرحية والموسيقية. وقد أسهمت المسارح والنوادي والاحتفالات العامة في تعريف جمهور المدينة بالتجارب الفنية القادمة من خارجها، وفي بناء صلات بين الحركة الثقافية المحلية والمشهد العربي الأوسع.
ومن هذه الزاوية، لا تقتصر أهمية زيارة أم كلثوم، إذا ما استكملت وثائقها، على حضور فنانة كبيرة في حفلة واحدة؛ بل تتصل بتاريخ تلقي الموسيقى العربية، وبالدور الذي أدته المدن السورية في استقبال الفنانين وتداول أعمالهم وتوسيع جمهورهم.
كما تفتح هذه الحكاية الباب أمام مشروع توثيقي أوسع، يمكن أن يجمع صور مسرح الروضة، والإعلانات الصحفية القديمة، وبرامج الحفلات، وشهادات العائلات التي احتفظت بذكريات تلك المرحلة. فالصورة والوثيقة والشهادة الشفوية، حين تُقرأ معاً، تمنح الحدث عمقاً يتجاوز الرواية المجردة، وتحوله إلى جزء قابل للدراسة من تاريخ المدينة الثقافي.
خاتمة: حين تصبح الحفلة جزءاً من ذاكرة المكان
تظل حكاية أم كلثوم في حمص عام 1931 واحدة من الروايات التي تستحق البحث والتوثيق في سجل الحياة الفنية السورية. فهي تصل بين صوتٍ أصبح رمزاً للطرب العربي وبين مدينة احتضنت، عبر مسارحها، وجوهاً متعددة من الحياة الثقافية في القرن العشرين.
وبين ما تحفظه الذاكرة المحلية وما يمكن أن تكشفه الوثائق، تبقى المهمة الأساسية هي صون هذه الحكاية من النسيان، واستكمال تفاصيلها بأدلة تاريخية تليق بقيمة الحدث وبمكانة صاحبته.
فأم كلثوم لم تكن مجرد مطربة تعبر المدن ثم تغادرها؛ لقد كانت ظاهرة فنية وثقافية تركت أثرها في وجدان أجيال متعاقبة. وإذا كان صوتها قد انطلق من القاهرة ليصل إلى مسارح بلاد الشام، فإن البحث في محطته الحمصية يمنحنا فرصة لاستعادة جانب من تاريخ الموسيقى، وتاريخ المسرح، وذاكرة مدينة لا تزال حكاياتها الفنية تنتظر مزيداً من التوثيق.



