

حسن دياب: عين عبد الناصر التي رأت الإنسان قبل الزعيم
مصور الرئاسة الذي حوّل الكاميرا إلى ذاكرة وطن… ووثّق مصر من خلف المشهد
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تصبح الكاميرا شاهدة على التاريخ
هناك مصورون يلتقطون الأحداث، وهناك مصورون يجعلون من الصورة وثيقةً لا يمر عليها الزمن.
وفي تاريخ التصوير الصحفي المصري، يبرز اسم حسن دياب بوصفه واحدًا من أولئك الذين لم ينظروا إلى الكاميرا باعتبارها آلة لالتقاط الملامح فحسب، بل باعتبارها عينًا ثانية للتاريخ؛ عينًا تستطيع أن ترى ما وراء الخطاب الرسمي، وأن تلتقط لحظةً عابرة فتمنحها عمرًا يتجاوز عمر أصحابها.
وفي ذكرى ميلاده، تعود سيرة حسن دياب إلى الواجهة بوصفها سيرة مصور عاش أكثر من نصف قرن مع الكاميرا، ورافق مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ مصر الحديثة، وكان المصور الخاص للرئيس جمال عبد الناصر لسنوات طويلة.
لكن المفارقة الأجمل في حكايته أن عبد الناصر، الذي كان رئيسًا وزعيمًا ورمزًا سياسيًا، لم يظهر في عدسة حسن دياب باعتباره شخصية رسمية جامدة؛ بل ظهر إنسانًا: يبتسم، يتأمل، يحتضن، يصافح، يحزن، يتحرك بين الناس، ويعيش لحظات لا تستطيع الصورة الرسمية التقليدية أن ترويها.
كان حسن دياب، ببساطة، مصورًا بعقل صحفي وعين فنان وقلب شاهد.
من باب الخلق بدأت الحكاية
وُلد حسن دياب في حي باب الخلق بالقاهرة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1926، ونشأ في أسرة مرتبطة بالرياضة وأدواتها، وكان من المتوقع أن يسير في طريق مختلف تمامًا عن التصوير.
ففي طفولته، انجذب إلى رياضة البلياردو، وحقق نجاحًا مبكرًا فيها، وبدأت العائلة تتخيل له مستقبلًا رياضيًا.
لكن الطفل الذي كان يطارد البطولات اكتشف شيئًا آخر: الصورة.
كانت رغبته الأولى في امتلاك كاميرا مرتبطة بتوثيق لحظات الفوز والكؤوس والميداليات. اشترى كاميرا بسيطة بأربعة قروش، ولم يكن يعرف آنذاك أن تلك الآلة الصغيرة ستغير مسار حياته.
منذ اللحظة الأولى، لم تعد الكاميرا مجرد وسيلة لتسجيل انتصاراته الرياضية؛ تحولت إلى نافذة يرى من خلالها العالم.
صار أصدقاؤه موضوعاته الأولى، وأصبحت شوارع القاهرة مختبره المفتوح. كان يمشي مسافات طويلة بحثًا عن صورة، ويتعلم من الشارع أكثر مما يتعلم من أي درس نظري.
وهنا بدأت تتكون لديه واحدة من أهم خصائص المصور الصحفي: القدرة على الانتظار والملاحظة.
مسجد المؤيد… الصورة التي فتحت الباب إلى الصحافة
في عام 1947، التقط حسن دياب صورة لمسجد المؤيد، وشاهدها المصور سليم يوسف، الذي أعجب بها وقرر نشرها في مجلة «الراديو المصري».
كانت تلك اللحظة بمثابة العبور الأول من الهواية إلى الصحافة.
لم تكن الصورة مجرد نجاح عابر؛ لقد كانت إعلانًا عن ولادة موهبة تعرف كيف تنظر.
وفي عام 1948 التحق دياب بدار أخبار اليوم، وهناك دخل عالم التصوير الصحفي بكل ثقله، وبدأت الكاميرا تتحول من أداة شخصية إلى مهنة ورسالة.
وكانت الصحافة بالنسبة إليه مدرسة مفتوحة: الحدث قد يأتي في لحظة، والصورة الجيدة لا تنتظر.
عندما خرج الثور من الشارع… فهم دياب معنى الصورة الصحفية
من القصص المبكرة التي تكشف طبيعة شخصيته الصحفية واقعة حدثت أثناء تغطيته لاجتماعات مجلس الوزراء.
سمع خارج المكان ضجة كبيرة، فدفعه فضوله الصحفي إلى معرفة ما يجري. وجد ثورًا هائجًا في منطقة التحرير، وتوجه لتصويره، ثم اختيرت الصورة للصفحة الأولى من جريدة «الأخبار».
قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها تكشف قاعدة أساسية في صحافة الصورة:
المصور الحقيقي لا ينتظر الحدث الذي يُطلب منه تصويره فقط؛ بل يملك فضولًا يجعله يبحث عن الحدث.
وهذه الخاصية سترافق حسن دياب طوال حياته.
حسن دياب وجمال عبد الناصر: حين التقت العين بالزعيم
بدأت العلاقة بين حسن دياب وجمال عبد الناصر في السنوات الأولى لثورة يوليو.
وخلال إحدى المقابلات الصحفية التي رافق فيها دياب الصحفي مصطفى أمين، لفت نظره حضور جمال عبد الناصر وموقعه داخل المشهد.
وفي إحدى الوقائع المبكرة، لاحظ دياب أن محمد نجيب طلب التقاط صورة له مع عبد الناصر، ثم واصل مراقبة الضابط الشاب الذي بدأ يبرز تدريجيًا في المشهد السياسي والعسكري.
وفي مناسبة أخرى، كان دياب في القبة لتغطية اجتماع، فلاحظ غرفة كتب على بابها «القائد». انتظر خروج الشخص الموجود بداخلها، فإذا بجمال عبد الناصر يظهر.
ضغط دياب على زر الكاميرا.
كانت تلك واحدة من اللحظات التي تسبق التاريخ قبل أن يعرف الناس كيف سيكتب التاريخ أسماء رجاله.
وبمرور الوقت، بدأت العلاقة بين الرجلين تزداد قربًا، حتى أصبح حسن دياب المصور الخاص للرئيس جمال عبد الناصر عام 1954، واستمرت علاقته بالتصوير الرئاسي طوال سنوات عبد الناصر.
المصور الذي لم يصنع «صورة رسمية»
ربما تكمن أهمية حسن دياب الحقيقية هنا.
فهو لم يكن يريد أن يصنع من عبد الناصر صورة بروتوكولية.
كان يريد أن يصنع ذاكرة.
لهذا جاءت صوره مختلفة عن كثير من الصور الرسمية التي تُظهر الرئيس جالسًا خلف مكتب، أو واقفًا في مناسبة، أو محاطًا بالمسؤولين.
كان دياب يراقب اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة البروتوكولية.
طفل يركض أمام الموكب.
يد تمتد للمصافحة.
جمهور يحاول الاقتراب.
ابتسامة عابرة.
نظرة شاردة.
لحظة عائلية.
رئيس يرتدي الجلباب.
عبد الناصر في المسجد.
لحظة تعب أو تأمل.
هنا لم يعد المصور يسجل «الرئيس» فقط؛ بل يسجل الإنسان الذي يسكن صورة الرئيس.
وهذه هي القيمة الفنية العميقة في تجربته.
بورسعيد 1956: عندما صعد المصور إلى الفنار
من أشهر فصول تجربة حسن دياب مغامرته في فنار بورسعيد خلال العدوان الثلاثي عام 1956.
كان المكان ذا حساسية خاصة، وكان الصعود إليه مخاطرة حقيقية في ظل ظروف الحرب.
لكن دياب أدرك أن هناك صورة يجب أن تُلتقط.
صعد إلى الفنار، وواجه الخطر، وخرج بصور أصبحت لاحقًا جزءًا من الذاكرة البصرية المصرية للعدوان.
لم تكن الصورة هنا مجرد تسجيل لمشهد عسكري؛ كانت وثيقة تتصل بحقوق مصر وبطبيعة الاعتداء على موقع ذي أهمية دولية.
ومن هنا تحولت الكاميرا إلى نوع من الشهادة البصرية.
لقد أثبتت تلك التجربة أن الصحفي المصور لا يقيس أهمية الصورة بسهولة الوصول إليها، بل أحيانًا يقيسها بحجم المخاطرة التي يجب أن يتحملها لكي تصبح الصورة ممكنة.
الصورة في مواجهة الشائعة
كان حسن دياب يعرف أن الصورة تستطيع أن تقوم بوظيفة تتجاوز التوثيق.
في إحدى الفترات انتشرت شائعة حول إصابة جمال عبد الناصر بالشلل.
بدل أن يدخل المصور في جدال لفظي، انتظر فرصة لقاء للرئيس، وراح يصور عبد الناصر أثناء الحركة والتفاعل مع الحاضرين.
كانت الكاميرا هنا تقدم الدليل البصري.
ونُشرت الصور على مساحة بارزة في صحيفة «الأهرام» بواسطة الصحفي محمد حسنين هيكل، لتصبح الصورة وسيلة لمواجهة الشائعة.
وهذه الواقعة تقدم درسًا مبكرًا في قوة الصورة الصحفية:
أحيانًا لا تحتاج الصورة إلى أن تتكلم؛ يكفي أن تُرى.
مرتان صمتت فيهما الكاميرا
من أكثر فصول سيرة حسن دياب إنسانيةً تلك اللحظات التي اختار فيها ألا يصور.
وكان يمكن للمصور الصحفي، من الناحية المهنية البحتة، أن يرى في اللحظة فرصة تاريخية.
لكنه كان يرى الإنسان أولًا.
5 يونيو 1967
في الخامس من يونيو/حزيران 1967، كان حسن دياب في مقر القيادة، وقيل إنه كان المصور الوحيد الموجود هناك لحظة خروج عبد الناصر.
كان المشهد مختلفًا عن كل الصور التي اعتاد التقاطها.
لم يكن أمامه الرئيس الذي عرفه في لحظات القوة والحماس؛ كان أمامه رجل يحمل ثقل الهزيمة.
كان يمكن أن يرفع الكاميرا.
كان يمكن أن تصبح الصورة واحدة من أشهر صور القرن العشرين.
لكنه لم يفعل.
اختار أن يترك اللحظة خارج الفيلم.
وهنا تظهر مفارقة عميقة:
أحيانًا تكون أقوى صورة هي الصورة التي قرر المصور ألا يلتقطها.
يوم الرحيل
وجاءت اللحظة الثانية في يوم وفاة جمال عبد الناصر.
لم يستطع حسن دياب أن يحمل الكاميرا ليصور الرجل الذي رافقه سنوات طويلة.
بقي بعيدًا عن العدسة.
كان المصور الذي وثّق حياة الرئيس عاجزًا عن توثيق موته.
إنها لحظة نادرة يتغلب فيها الجانب الإنساني على الغريزة المهنية.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتحول المصور من شاهد على التاريخ إلى إنسان داخل التاريخ.
«عين الرئيس»… لكنها كانت ترى الشعب أيضًا
ارتبط اسم حسن دياب بجمال عبد الناصر، لكن اختزال تجربته في الرئاسة وحدها يظلمه.
فعدسته كانت مفتوحة على مصر كلها.
كان يرى الشارع، والناس، والأحداث، والمناسبات، والتغيرات الاجتماعية والسياسية.
وكانت الصورة عنده فعلًا من أفعال الحضور.
لا يقف خارج الحدث؛ بل يقترب منه.
لا يكتفي بالمشهد الكبير؛ بل يبحث عن التفصيل الصغير الذي يمنحه المعنى.
وهذا هو سر بقاء عدد من صوره في الذاكرة.
فالصورة التاريخية ليست بالضرورة تلك التي تحتوي أكبر عدد من الشخصيات.
أحيانًا تكون الصورة التاريخية هي التي تحتوي تفصيلًا إنسانيًا واحدًا صادقًا.
من المصور الرئاسي إلى مدير التصوير
بعد وفاة جمال عبد الناصر، تولى حسن دياب إدارة التصوير في رئاسة الجمهورية بمقرها في منشية البكري بمصر الجديدة.
لكن علاقته بالكاميرا لم تنتهِ.
ظل التصوير بالنسبة إليه أكثر من وظيفة؛ كان طريقة في النظر إلى العالم.
وعاد لاحقًا إلى العمل في «أخبار اليوم»، وظلت الكاميرا ترافقه حتى سنواته الأخيرة.
رحل حسن دياب في 4 مايو/أيار 2002، بعد مسيرة طويلة ترك خلالها أرشيفًا بصريًا مهمًا لمرحلة من أكثر مراحل مصر الحديثة كثافةً بالأحداث.
حسن دياب… عندما تصبح الصورة ذاكرة
إذا كانت الصحافة تكتب التاريخ بالكلمات، فإن حسن دياب ساهم في كتابته بالضوء.
كانت أفلامه تحفظ ما لا تحفظه البيانات الرسمية.
كانت تخزن النظرات والحركات والانفعالات.
وكانت الكاميرا عنده لا تبحث فقط عن «ماذا حدث؟»، بل عن سؤال أكثر عمقًا:
كيف عاش الناس ما حدث؟
وهنا تكمن أهمية تجربته الفنية.
فالصورة الصحفية عند حسن دياب لم تكن مجرد نسخة من الواقع؛ كانت قراءةً له.
كان يختار اللحظة، والزاوية، والمسافة، والتوقيت، والتفصيل.
وهذه الاختيارات هي التي تحول التسجيل إلى فن.
فلسفة حسن دياب في الصورة
يمكن قراءة تجربة حسن دياب من خلال ثلاث كلمات:
العين
لأنه كان يرى التفاصيل التي قد تمر على الآخرين.
الصحافة
لأنه كان يعرف أن الصورة يجب أن تحمل خبرًا وحدثًا ودلالة.
الإنسان
لأنه لم يسمح للصفة الرسمية أن تلغي الشخص الذي يقف خلفها.
ولهذا يمكن النظر إلى صوره بوصفها تقاطعًا بين الفوتوغرافيا الصحفية والوثيقة التاريخية والبورتريه الإنساني.
فهو لم يكن يصور عبد الناصر لكي يقول: «هذا هو الرئيس».
كان يصوره أحيانًا لكي يقول:
«هذا هو الإنسان الذي كان يعيش داخل صورة الرئيس».
إرث يتجاوز الجسد
رحل حسن دياب جسدًا، لكن المصور الحقيقي لا يموت تمامًا عندما تبقى صوره.
إنه يعيش في أرشيفه.
يعيش في ذاكرة المهنة.
يعيش في عيون الذين ينظرون إلى صورة قديمة فيكتشفون فيها شيئًا لم يروه من قبل.
وهكذا بقي حسن دياب حاضرًا في الذاكرة المصرية من خلال صوره، وفي ذاكرة أسرته وزملائه وتلامذة المهنة، ومن خلال الأرشيف الذي تركه وراءه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن مسيرته أن الكاميرا التي حملها طفل صغير من باب الخلق بحثًا عن صورة، انتهت إلى أن تحمل جزءًا من ذاكرة مصر الحديثة.
خاتمة: الصورة التي لم تلتقطها الكاميرا
في تاريخ التصوير، هناك صور تخلد لأنها التُقطت في اللحظة المناسبة.
لكن هناك نوعًا آخر من الصور يخلد بسبب اللحظة التي لم تُلتقط.
وهنا تكمن خصوصية حسن دياب.
فقد علّمنا، من خلال مسيرته، أن المصور ليس آلة تسجيل، وأن الصحافة ليست دائمًا انتصارًا على المشاعر، وأن امتلاك الكاميرا لا يعني بالضرورة وجوب استخدامها في كل لحظة.
مرتان أنزل حسن دياب كاميرته: مرة أمام حزن الهزيمة، ومرة أمام موت الرجل الذي رافقه سنوات.
وبين الصورتين، وبين آلاف الصور التي التقطها، ترك لنا درسًا عميقًا في معنى أن تكون مصورًا:
أن ترى ما لا يراه الآخرون، وأن تحفظ ما يوشك على الزوال، وأن تعرف أيضًا متى يكون احترام الإنسان أهم من الصورة.
لهذا بقي حسن دياب أكثر من «مصور عبد الناصر».
لقد كان مصورًا لمصر وهي تعيش، وتنتصر، وتنكس، وتحزن، وتحلم.
وكانت عدسته واحدة من العيون التي حفظت ذلك كله للزمن.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت



