جنون العظمة يفضي للجنون قي مسرحية زيت الحيتان ليوجين أونيلآني

زوجة الربان ديفيد تأثرت بكثير من القصص التي قرأتها عن المغامرات التي تجري في البحر والجزر التي فيه، والكنوز المخبأة في البحر وجزره، كقصة جزيرة الكنز لستيفنسون، وتصورت أن زوجها الربان ديفيد يعيش هذه الحياة العجيبة، ويقوم بمثل هذه المغامرات المثيرة خلال إبحاره بمركبه الكبير في البحر لصيد الحيتان لاستخراج زيوتها.
وألحت آني على ديفيد أن تصحبه في رحلته التالية، لا سيما أنها كانت تشعر ببعض الملل خلال كل رحلة يقوم بها وتستغرق عامين أو أكثر، وحاول ديفيد أن يوضح لها أن حياة البحارة على المراكب والسفن في البحر تختلف عن القصص التي تقرؤها، فليس فيها تلك الغرائب والمغامرات المثيرة، ولكنها حياة شاقة، ورغم ذلك فقد ألحت عليه في أن تصحبه في رحلته القادمة، فاضطر أن يوافقها على ذلك.
وفي بداية رحلة ذلك المركب الذي يقوده ديفيد مع مساعد له وعدد من البحارة كانت آني تشعر بقدر من السعادة، وقد ألفها البحارة؛ لطيبتها، ولكن بمجرد أن توغل هذا المركب الكبير في المحيط المتجمد الشمالي واختفت الشمس بدأت تشعر بانقباض في صدرها، وازداد ضيقها حينما رأت وجها آخر لزوجها في ذلك المركب في البحر، فليس هو الرجل الوديع الهادئ الذي اعتادت أن تتعامل معه في البر، بل إنه في البحر حازم أشد الحزم، وشديد العنف إذا اقتضى الأمر، ورأته واجه تمرد البحارة عليه – لكونه لم يعد بهم للبر بعد مرور المدة التي في عقدهم معه – بأن أطلق النار على زعيمهم، فانسحب باقي رفاقه مذعورين منه.
وصرحت آني لزوجها بأنها لم تعد تحتمل هذه الحياة القاسية المملة على ذلك المركب، وألحت عليه كثيرا في أن يعود بها للبر، ولكنه كان دائما يرفض طلبها؛ لأنه لم يملأ غير أربعمائة برميل فقط من زيت الحيتان، ولو عاد بهذا العدد فقط لسخر منه باقي الربابنة؛ لأنه مشهور بينهم بعودته بمئات البراميل من زيت الحيتان في كل رحلة يقوم بها.
وازداد شعور آني بالألم، وأحست أنها سائرة للجنون لو استمر الوضع على ذلك، وأخبرت زوجها بذلك، وألحت عليه أن يعود بها لبلادها قبل أن تجن، فرق لها في لحظة ضعف، وكاد أن يأمر البحارة بالعودة للبلاد، ولكن مساعده أتى له مسرعا، وأخبره أن الثلوج بدأت تتكسر في الشمال، وأن الحيتان ستظهر بكثرة مع تقدمهم في المحيط المتجمد الشمالي، وهنا يفيق ديفيد من سكرة رقته لزوجته، ويأمر مساعده وكل البحارة الذين معه بالتوغل في المحيط المتجمد الشمالي، والاستعداد لصيد مئات من الحيتان، وقال لزوجته: كيف كنت سأخضع لرغبة امرأة لا تقدر ما كنت سأشعر به من خزي لو عدت فقط بالأربعمائة برميل من زيت الحيتان؟!
وبينما ديفيد وبحارته يستعدون لصيد تلك الحيتان يصيب آنا هستيريا الجنون، ويراها زوجها، فينظر لها نظرة عطف سريعة، ولكنه يتناساها، وينشغل بصيد الحيتان؛ حتى لا تهتز مكانته كصائد عظيم للحيتان، ولو كان ذلك على حساب فقد زوجته عقلها.
والحقيقة أن يوجين أونيل لم يظهر ديفيد شخصا شريرا تماما، ولكنه شخص طيب عندما يكون على البر، ولكنه بمجرد ركوبه البحر يتحول لشخص آخر، حتى لكأن البحر هو الذي يشكله بهذه الشخصية الأخرى، فهو فيه حازم أشد ما يكون الحزم، وتختفي منه رقته وطيبته، ولا يعنيه غير أن تستمر عظمته في صيد أكبر عدد من الحيتان؛ لاستخراج زيوتها منها.
أما آني فقد صدمت بعالم البحر الذي رأته رأي العين، وتأكدت أنه مختلف عما تصوره به قصص المغامرات التي اعتادت قراءتها، ولما رفض زوجها أن يعود بها للبر لم تستطع المقاومة، ففقدت عقلها.

أخر المقالات

منكم وإليكم