زهراء… ما تخبّئه الروح من ألوان
جمال العتّابي
لدي ما أتباهى به، وأرجو من أصدقائي أن يتّسع صدرهم لأبٍ أخذته الفرحة بابنته، فسمح لقلبه أن يسبق قلمه قليلاً.
زهراء ترسم! ابنتي التي كنت أظنّ أن يومها موزّع بالكامل بين البيت ودفاتر الولدين، وجدت فيه فسحة تدخل منها الألوان، وتجلس إلى نفسها، وتترك على القماشة شيئاً من روحها.
لم تدرس زهراء في معهد للرسم، ولم تتتلمذ على يد فنان تشكيلي، حتى أبوها، على كثرة ما كتب عن تجارب الآخرين، لا يستطيع أن يدّعي أنه علّمها كيف تمسك الفرشاة. اختارت الأدب الإنكليزي في كلية الآداب بجامعة بغداد، ومضت في طريقها، فيما كانت الألوان تنتظر، على ما يبدو، أن تفرغ لها قليلاً.
وكلمة “تفرغ” هنا تحتاج إلى شيء من الشرح: فعند زهراء ولدان، عمّار في الثالث المتوسط، وعلي في السادس الابتدائي، ولكم أن تتخيّلوا أمّاً تدير شؤون البيت، وتتابع دروسهما، وتفاوض هذا على إكمال واجبه، وذاك على العودة إلى كتابه. “كرنفال” يومي من النداءات والصراخ ونتف شعر الرأس، على سبيل المجاز الذي توشك بعض جلسات التدريس أن تحوّله إلى حقيقة! وأظنّ أن وزارة التربية، لو اطّلعت على ما يجري في البيوت، لمنحت الأمهات شهادة خدمة إضافية، مع مخصّصات خطورة أيام الامتحانات.
من هذا الزحام تقتنص زهراء وقتاً للرسم. لا يأتيها الوقت صافياً، فتجلس إليه مطمئنة، عليها أن تجمعه من هنا وهناك، كما تجمع الأم أشياء أولادها المتناثرة. دقائق تنجو من واجب، وأخرى تتأخر فيها مطالبة، ولحظة يسكت فيها البيت، فتكون حصّتها الصغيرة من النهار.
ولكي أروي الحكاية بأمانة الأب، ينبغي أن أعترف بأن وصولها إلى الفرشاة سبقه تاريخ من المغامرات. بدأت بالحياكة، فانشغلنا أشهراً بتوفير الخيوط والسنارات، حتى خُيّل إليّ أننا على أبواب مشروع عائلي كبير، وأن الشتاء المقبل سيجدنا جميعاً بثياب من صنع زهراء. لكن الخيوط بقيت تنتظر، والسنارات أُحيلت إلى التقاعد المبكر، فيما وجدت صاحبتها ما يشغلها عنها.
جاء دور البلابل، ثم نماذج سيارات الفولكس واگن المصغّرة بألوانها المتعددة. صار في اهتماماتها متّسع لطائر ولسيارة صغيرة، وبقي علينا أن نتابع تحوّلات هذا المزاج المحبّ للأشياء الجميلة. وأتأمّل الآن تلك السيارات، فأفكّر أن بعض الألوان كان قد وصل إلى بيتها مبكراً، على أربع عجلات، قبل أن يستقرّ على سطح اللوحة.
وأخيراً، وجدت نفسها ترسم.
أمام رسوماتها أطيل الوقوف. أعرف أن في عينيّ فرح الأب، وأعرف أيضاً أن سنوات صحبتي للفن تجعلني ألتفت إلى تفاصيل تستحقّ التأمّل. يشدّني ميلها إلى اللون، وإلى ملء المساحة بالحياة، كأنها، حين تحصل على هذه الفسحة النادرة، تريد أن تتّسع لها اللوحة بكلّ ما ادّخرته من رغبة.
في إحدى لوحاتها تتجاور أشكال آدمية طويلة، تختصر ملامحها، وتترك للأجساد والكتل الملونة أن تقيم صلاتها: فيروزي وأحمر وأصفر، ومساحات سود تمنح الألوان المجاورة حضوراً أشدّ. وفي أخرى تتقدّم عين واسعة بين منحنيات وزخارف وورود، ويغدو الوجه مساحة للّعب والتخيّل. يعجبني أنها تسمح لنفسها بالتجريب، تنتقل بين رسم الملامح وإطلاق الخطوط، وبين متابعة ما تراه والذهاب مع ما تقترحه يدها.
ثم تلك الراقصة، بذراعها المرفوعة وثوبها الذي يتفتّح شرائط من الأزرق والأحمر والأصفر. أجد في حركتها خفّة تسرّني، وأكاد أتخيّل زهراء قد تركت عند حافة اللوحة دفاتر الولدين، ودخلت مع ألوانها في رقصة قصيرة، قبل أن يناديها أحدهما: ماما!
وللوجوه النسائية عندها عناية ظاهرة؛ خصلة الشعر، انحناءة الحاجب، حمرة الشفتين، والضوء الذي يستقرّ على الخدّ. أقف متأملاً وجه عمّتها ليلى، أختي التي رحلت وهي شابّة، رسمتها زهراء بعاطفة مربكة، تتخيلها: طالبة، صبية في مقتبل أحلامها، بشعرها القصير، وثوبها البنفسجي ذي الياقة البيضاء، وتلك الابتسامة الخفيفة، فيأخذني حنين الأخ، وفرحتي لأن زهراء منحت عمّتها حضوراً جديداً بيننا، وأعادت اسمها باللون، أكاد وأنا أتأمل وجهها، أنتظر أن تحمل كتبها وتمضي إلى المدرسة.
كان من دواعي سعادتها، أن الفنان سعد العاني رئيس جمعية التشكيليين العراقيين، أثنى على رسوماتها، وأهداها مجموعة من الألوان والفرش. هذه الالتفاتة الجميلة منحتها ثقة عالية بنفسها.
نشأت زهراء في عائلة للفن فيها حضور قديم، جدّها حسن رسّام، وأبوها مشغول بالرسم ونقده، وحولها، بين أعمامها، سامي وصفاء وأديب، وفلاح، وأخوتها: فرات، وسامر وياسر، فنانون وكتّاب ومتخصصون في الفن، وابنة عمها يمام رسّامة أيضاً. لا بدّ أن شيئاً من هذا الجوّ استقرّ في ذاكرتها: لوحة تراها، وحديث تسمعه، ولون تعتاد حضوره. غير أنني أحبّ، في تجربتها، أنها وصلت إلى الرسم برغبتها، وفي الوقت الذي اختارته لنفسها.
زهراء في الثالثة والثلاثين، في ريعان شبابها، وأمامها متّسع لتتعلّم وتضيف وتغيّر. أمّا الأب، فسعيد برؤيتها تحافظ، وسط مسؤولياتها، على رغبة تخصّها. أعرف كم تعطي من وقتها وقلبها لبيتها وولديها وزوجها، وأحبّ أن يبقى لها موعد مع تلك الشابة التي تقرأ، وتتخيّل، وتشتهي أن تصنع شيئاً جميلاً بيديها.
ارسمي يا ابنتي، واتركي لنا هذه البهجة على الجدران. سأظل أتأمل وأتباهى، وأوصي حبيبي: “عمار وعلي” بشيء من الرفق بأمّهما، فلعلّ في البيت لوحة تنتظر ساعة هدوء
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


