“ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم” – المتنبي
تُعرّف اليقظة الذهنية في أشد صورها بأنها حالة من الإدراك المتزايد تحول الترف المادي إلى عبء وجودي، بينما يعمل غياب الوعي كمخدر طبيعي يخفف عن صاحبه وطأة الواقع. تطرح هذه الثنائية مفارقة في فهم المعاناة الإنسانية، إذ يتناول أبو الطيب المتنبي في بيته العلاقة العكسية بين سعة الإدراك والراحة النفسية، ويصوغ ملاحظة سيكولوجية وفلسفية تخالف التصور المألوف الذي يربط السعادة بالوفرة والشقاء بالعدم.
تربط أطروحة المتنبي مفهوم “الشقاء” بالبنية الإدراكية للإنسان أكثر مما تربطه بظروفه المحيطة. يرى الشاعر أن صاحب العقل يحمل داخله آلة نقدية لا تتوقف عن تحليل المآلات واكتشاف التناقضات واستشعار زوال اللحظة، فيغدو احتكاكه بـ”النعيم” قلقا ومحفوفا بالشك. ويصير العقل هنا مصدر عذاب لصاحبه، إذ يجرد الأشياء من بريقها المباشر ويضعها تحت مساءلة مستمرة. أما “الجهالة” فهي عنده حالة من الرضا المعرفي تتجاوز مجرد نقص المعلومات، وتمنح صاحبها حصانة من الأسئلة الكبرى. ويتماهى “أخو الجهالة” مع واقعه حتى حين يكون هذا الواقع “شقاوة”، لأنه يفتقر إلى الأدوات التحليلية التي تتيح له إدراك حجم مأساته.
يقابل هذه الرؤية التشاؤمية للعقل التقليد العقلاني الحديث الذي يمثله باروخ سبينوزا ورينيه ديكارت. يُعد العقل في هذا المشروع أداة للتحرر من العبودية والألم، وسبيلا إلى تطويق الانفعالات السلبية وتحقيق السلام الداخلي. ويرى سبينوزا أن فهم آليات الوجود يحرر الإنسان من الخوف والطمع ويقوده إلى الطمأنينة. وبذلك يتقابل تصوران للعقل: طريق للخلاص في الفلسفة العقلانية الحديثة، وعبء يحرم صاحبه من السكينة عند المتنبي.
تتسع دلالات البيت إلى ما يمكن تسميته “ضريبة الوعي”. فاقتران “يشقى” بـ”النعيم” يفصل بين الرفاهية والسعادة، وينقل مدار التجربة الإنسانية من تحسين الظروف الخارجية إلى مكابدة داخلية لضبط جموح الإدراك. والوعي طريق باتجاه واحد: متى دخله العقل البشري استحال عليه الرجوع إلى براءة الجهل الأولى، وبات محكوما بدفع ضريبة التفكير المستمر في عالم لا يخلو من النقص.
[حسن أوريد، رباط المتنبي، المركز الثقافي العربي، 2019]
#فلسفة_الوعي #المتنبي #علم_النفس#مجلة ايليت فوتو ارت.


