التقيتُ سامية طقطق الزرو للمرّة الأولى عام ٢٠١١ في الدوحة، خلال الحفل الثاني لمؤسسة “تكريم”. لن أنسى لحظة صعودها إلى المسرح لتسلّم جائزة التميّز الثقافي. كانت غارقة في انفعالها. لم تنطق بكلمة واحدة. ومع ذلك، في ذلك الصمت قالت كلّ شيء: كرامة بلا استعراض، إحساس بلا مساومة، صدق بلا تنازل.
وُلدت سامية في نابلس عام ١٩٣٨، وتشكّلت ملامحها الأولى في بيروت: درست الفنون الجميلة في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم تابعت دراساتها العليا في واشنطن العاصمة. أصبحت فنانة متعددة الوسائط بامتياز؛ رسمت ونسجت، واشتغلت على الأقمشة والمعادن، وكانت في الأردن رائدة في أعمال التركيب في الفضاء العام، تاركةً بصمتها في مدينة عمّان. لم تكن أعمالها “تزيّن” الهوية، بل كانت تدافع عنها. أدخلت التطريز الفلسطيني والمنسوجات المطبوعة في لغتها البصرية، مؤكدةً أن التراث ليس حنيناً، بل دليلاً.
وإلى جانب الفنانة، كانت المربّية والقوة الثقافية: صانعة الذائقة، ومشكّلة العقول، التي فهمت أن الثقافة أيضاً شكلٌ من أشكال المقاومة … هادئ، تراكمي، ودائم.
حين التقينا مجدداً في عمّان عام ٢٠١٧، اشتعل شيءٌ بصمت: صداقة، اعتراف متبادل، وإصرار مشترك على العدالة. لاحقاً، أهدتني لوحة للقدس. ما زالت معلّقة في دارتنا الجبلية، في جناح الضيوف، لا كقطعة فنية فحسب، بل كعلامة أخلاقية. تذكير بأنّ بعض الناس لا يصنعون الفنّ فقط … بل يصنعون الضمير.
لم تكن سامية “تروّض” كلماتها أو تضع حدوداً لآرائها لأنّها كانت ترفض أن تُصغّر الحقيقة لإرضاء الراحة. اليوم، أرثيها … وأشكرها. على العمل، وعلى الشجاعة، على حبّها لوطني لبنان، وعلى شغفها غير القابل للمساومة لفلسطين، وعلى شرف أنني عرفتها، امرأة من طينة زمنٍ آخر ❤️💔
TAKREEM American University of Beirut (AUB)


