سلمى علاء الدين مندور يوسف
كان ينظر للنور في مصر القديمة على أنه القوة المانعة للشر، و أحد العناصر المسببة للوجود.
كان لعنصر النور والظلام تأثيراً كبيراً على الحياة اليومية للمصري القديم، و تصوراته عن العالم السفلي، و من هنا نشأ صراع أبدي بين قوى الخير و الشر، وتجلى ذلك في تدمير العين القمرية لحورس، التي أعادها تحوت (إله القمر) و عمل على شفائها، و بذلك اصبح مهمة تحوت حماية النور من الظلام.
أصبح المصري القديم يهتم بالبحث عن إجابة لسؤال كيفية تبديد الظلام، وظهر ذلك من خلال ما دونه في النصوص الدينية، و نظريات الخلق، ونشأة الكون .
• فلسفة نشأة الكون فى مصر القديمة
– هيليوبوليس
وفقاً لعقيدة كهنة هليوبوليس فإن خرج الاله رع من نون، وهو القوة البدائية التي انبثقت منه الآلهة بعد أن أوجد رع لنفسه مكاناً بدد الظلمة بالنور الذي انبعث عنه.
كان رع تجسيد لفكرة الإله الذي يتجلى في العالم المادي على صورة قرص الشمس الذي يقطع السماء من مشرقها إلى مغربها، ثم رحلته ليلاً إلى العالم السفلي التي أمدتنا بعض النصوص الدينية المصرية القديمة بصورة عنها مثل نصوص الأهرام، بالإضافة إلى كتاب إيمي دوات، وكتاب البوابات كما عثر على ترنيمة رع التي تمجده في جزأين، و أيضاَ كتاب الكهوف الذي صور لنا العالم السفلي أنه سلسلة من الكهوف يمر فوقها رع، ويؤكد فيه على الدمار الذي سيلحق بأعدائه.
وذلك بالإضافة إلى كتاب الأرض الذي يعود لعهد الأسرة العشرين. قد ظهر في مقبرة رمسيس السادس، على جدران وممرات غرفة الدفن نصوص جنائزية، بالإضافة إلى تصوير للإله نوت في السقف مرتين دلالة على تعاقب الليل والنهار. مثل الظلام أبرز جوانب العالم السفلي كما أطلق عليه في نصوص التوابيت الظلام المطلق.
– هيرموبوليس
تصور كهنة هيرموبوليس أن العالم خلق من ثماني أزواج على رأسهم الإله تحوت( إله القمر)، الذي كان وزيراً للإله رع ، و مثل الزوجين كوك و كوكيت الظلام حيث كانا جزءاً من نون، رغم ذلك كان لهم دوراً ثنائي فقد ساهموا في شروق الشمس، و ملء الأرض بالخير و نزع الشرور.
• صراع الآلهة
– ست و اوزير
يبدو أن التباين في طبيعة أراضي كمت إلى ظهور ثنائية متمثلة في الإله أوزير إله الخصوبة، وأخيه الإله ست إله الصحراء ليدل بذلك على حالة الصراع ما بين قوى السلب والإيجاب. كان الإله ست من أقدم الآلهة المصرية، ومع قيام الأسرة الأولي اتسعت حدود عبادته ليصبح إله الوجه القبلي. بداية من عصر الأسرة الرابعة ازدادت سلطة كهنة الإله رع، وتقلص سلطة الملك، وتحولت السلطة تدريجياً إلى اللامركزية، فعمت الفوضى حتى نهاية الاسرة السادسة، وإنهيار الدولة القديمة، وبدء عصر الفترة الانتقالية الأول. شعر المصريين بأن الملك مجرد حاكم، بعد ما أزيل عنه هالة الألوهية، وبدأوا يبحثون عن الخلود في عالم نوراني بأنفسهم دون وساطة الملك، منذ ذلك الوقت أصبح الإله أوزير هو الملجأ الوحيد لهم لعبور العالم الآخر بسلام باعتباره سبيلهم للخلاص.
– ست و حورس
اما عن عقيدة الإله حورس الذي يصور عابراً للسماء، كدليل على طبيعته كإله لها كانت عيناه يمثلان الشمس و القمر، و بذلك أصبح صراعه مع الإله ست تجسيدا وتجدد الصراع ما بين والنور و الظلام. رأى المصريين القدماء أن ملك الصعيد نعرمر استطاع توحيد مصر بفضل تأييد حورس.
سجل نعرمر أنه أول الملوك في الأسرة الأولى على صلاية الملك نعرمر، صور حورس في أحد وجهي اللوحة في هيئة صقر يقف بإحدى قدميه فوق نبات البردي، بينما تمتد قدمه الأخرى في هيئة ذراع بشرية تمسك بحبل خزمت به أنف رأس بشرية، أما في الوجه الآخر نقش فيها أربعة ألوية للمعبودات التي أيدت نعرمر، منهم لواءان لحور للدلالة على سيادته في الصعيد.
كما سبق أن صور حور قبلاً في نفش للملك العقرب و هو يقف في مواجهة الملك و يمسك بإحدى قدميه بحبل حزمت بطرفه انف أحد زعماء قبائل البدو، بذلك اتخذ ملوك الاسرة الأولى شعاراً يعلوه صقر(السرخ) كتب فيه الاسم الحورى للملك، و اتسعت عبادة حور في الأقاليم.
• تراجع الفوضى عقب توحيد مصر
قدمت لنا نصوص الأهرام صورة عن الإله ست بعد وضعه في المرتبة الثانية؛ فكانت مملكة ست تقع في جهة الشمال و يقيم في كوكبة الدب القطبي التي اعتبرها المصريين خاصة سكان مصر العليا إقليم للظلام. أصبح بذلك يمثل كلا من الظلام، و الفوضى في مقابل حورس ( سيد السماء) الذي أصبح يمثل النور و النظام. تكونت بذلك ثنائية متباينة ما بين السلب والإيجاب، النور و الظلام، الموت والحياة.
******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت


