بورسعيد… والفرصة العالمية التي أُهدرت
في عالم اليوم، لم تعد السياحة تُبنى فقط بالفنادق أو الأبراج أو المؤتمرات، بل تُبنى بالرموز والمشاهد والذاكرة البصرية التي تترك أثرًا في وجدان الناس وتتحول إلى صورة عالمية خالدة.
وهنا تحديدًا كانت بورسعيد تملك واحدًا من أعظم المشاهد الممكنة على مستوى العالم:
تمثال ديليسبس عند مدخل قناة السويس.
لم يكن التمثال مجرد قطعة برونزية، ولا مجرد عمل فني يمكن نقله من مكان إلى آخر بلا أثر، بل كان جزءًا من مشهد بانورامي فريد صُمم خصيصًا لهذا الموقع:
البحر المفتوح
السفن العابرة
مدخل القناة
الفنار التاريخي
والمدينة التي استقبلت العالم سنة 1869.
ولهذا فإن القرار الفردي غير المدروس بنقل التمثال بعيدًا عن بورسعيد لم يكن مجرد نقل لتمثال… بل:
اقتلاع لمشهد عالمي كامل
وإهدار لقيمة سياحية واستثمارية وثقافية هائلة كانت مصر تملكها بالفعل دون أن تحتاج إلى اختراعها من جديد.
ماذا خسرت مصر؟
منذ أيام عبرت سفينة تحمل روادًا ومسؤولين من المجلس السياحي العالمي قناة السويس، وصُوِّر المشهد إعلاميًا باعتباره إنجازًا سياحيًا.
لكن الحقيقة المؤلمة أن:
مصر كانت تملك فرصة أعظم بكثير… ثم أضاعتها بيديها.
تخيلوا فقط المشهد الذي كان يمكن أن يراه العالم كله:
الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron يقف بجوار تمثال ديليسبس في مكانه الأصلي عند مدخل قناة السويس، وفي اللحظة نفسها تدخل سفينة تحمل رواد السياحة العالمية من البحر المتوسط إلى بورسعيد، بينما تمر خلفها السفن العابرة، وتنعكس أضواء المدينة والفنار التاريخي على المياه.
أي صورة كانت ستجتاح الصحافة العالمية؟
أي مشهد كان سيختصر:
تاريخ قناة السويس
وبداية السياحة العالمية
والعلاقة بين الشرق والغرب
وبورسعيد بوابة العالم الحديثة، في لقطة واحدة فقط؟
كان ذلك كفيلًا بأن يتحول إلى:
حدث عالمي استثنائي
تتحدث عنه الصحافة والسياحة والإعلام والثقافة في كل مكان.
لكن هذه الفرصة ضاعت.
المشكلة ليست في التمثال… بل في غياب الفكر السياحي الحقيقي
بينما العالم يبني اقتصاده السياحي على:
الرموز
والمشاهد المؤثرة
والتجارب البصرية الحية
ما زلنا نتعامل مع أحد أهم رموز قناة السويس وكأنه مجرد قطعة يجب وضعها داخل مساحة مغلقة بعيدًا عن روح المكان الذي صُمم من أجله.
والحقيقة التاريخية الكبرى أن:
بداية السياحة المنظمة الحديثة نفسها ارتبطت ببورسعيد وقناة السويس.
فهنا دعا فرديناند ديليسبس:
Thomas Cook
رائد السياحة المنظمة في العالم، لحضور افتتاح قناة السويس سنة 1869.
وهنا تحديدًا، عند مدخل بورسعيد، شاهد توماس كوك:
السفن الإمبراطورية
الملوك والأمراء
المدينة الجديدة
الفنادق
الأرصفة
والمشهد العالمي الذي غيّر مفهوم السفر إلى الشرق.
ومن هنا بدأت تتشكل فكرة السياحة العالمية الحديثة إلى مصر والشرق.
أي أن بورسعيد لم تكن مجرد ميناء عبور، بل:
نقطة البداية الحقيقية لعصر السياحة العالمية المنظمة.
ما الذي كان يمكن أن يحدث لو عاد التمثال؟
كان يمكن لمصر أن تصنع:
مهرجانًا عالميًا سنويًا
نقطة جذب سياحي دولية
احتفالًا دائمًا بذاكرة افتتاح القناة
عروضًا ضوئية وبحرية
ومشهدًا بصريًا لا يتكرر في أي مكان بالعالم.
تخيلوا سفينة سياحية عالمية تعبر القناة ليلًا، والركاب يقفون على الأسطح يشاهدون:
تمثال ديليسبس في مكانه المميز عند مدخل القناة،
كأنه يستقبل العالم من جديد.
كم صورة كانت ستنتشر؟
كم فيلمًا وثائقيًا كان سيُصنع؟
كم سائحًا كان سيحلم بزيارة بورسعيد؟
هذا ليس خيالًا… بل صناعة سياحة حقيقية تقوم على:
الذاكرة والمشهد والرمز.
لماذا كان القرار خطأً فادحًا؟
لأن التمثال خارج بورسعيد يفقد:
معناه
وتأثيره
وعلاقته بالقناة
وعلاقته بالسفن
وعلاقته بتاريخ المدينة نفسها.
فالتمثال لم يُصمم ليُحبس داخل أربعة جدران، بل ليقف أمام البحر، وتعبر السفن من حوله، ويصبح جزءًا من تجربة بصرية وإنسانية عالمية.
لقد كان عنصرًا حيًا داخل مشهد افتتاح العالم الحديث، وليس مجرد قطعة متحفية جامدة.
بورسعيد لم تكن هامش القصة… بل بدايتها
من هذه المدينة:
بدأت الملاحة العالمية الحديثة
وبدأت السياحة المنظمة
واستقبل العالم افتتاح قناة السويس
ومنها عبرت الإمبراطوريات والسفن والبشر نحو عصر جديد.
ولهذا فإن إعادة تمثال ديليسبس إلى بورسعيد ليست قضية تمثال فقط، بل:
استعادة لذاكرة عالمية
واستعادة لقيمة سياحية وثقافية واستثمارية هائلة أُهدرت بقرار غير مدروس.
الرسالة الأخيرة
يا سيادة الفريق…
الإنجاز الحقيقي لا يكون بالصور واللقطات العابرة، بل بخلق:
قيمة مستدامة
ومشهد عالمي
وذاكرة حية
وتجربة إنسانية تبقى لعقود.
وبورسعيد كانت تملك كل ذلك بالفعل.
لكن قرار نقل التمثال حرم مصر وبورسعيد من واحدة من أعظم الفرص السياحية والثقافية الممكنة عند مدخل قناة السويس.
أما إعادة التمثال إلى مكانه الطبيعي، فلن تكون مجرد إعادة لقطعة تاريخية، بل:
إعادة الروح إلى المشهد الذي غيّر تاريخ العالم.


