تقويم الأسلوبية

.

لا غرو أن يكون لكلّ منهج نقديّ إيجابيّات وسلبيّات، وهذا ينطبق أيضًا على الأسلوبيّة، باعتبارها مقاربة منهجيّة شكليّة وبنيويّة، يمكن استثمارها في دراسة النصّ الأدبيّ قراءة واستكشافًا واستجلاءً. ومن ثَمَّ، فمن إيجابيّات الأسلوبيّة أنّها بلاغة جديدة، تمتح مفاهيمها النظريّة، وتستعير آليّاتها التطبيقيّة، من اللسانيّات، والشعريّة، والتداوليّات، والبلاغة، والنقد الأدبيّ كما تعدّ الأسلوبيّة منهجيّة نقديّة لسانيّة، تتّسم بطابعها الشكليّ والبنيويّ.

ومن ثَمّ، فهي تميل إلى العلميّة الموضوعيّة بشكل من الأشكال. وأهمّ ما تتّسم به الأسلوبيّة بالمقارنة مع المناهج النقديّة الأخرى أنّها تدرس الأسلوب بنية، ودلالة، ووظيفة، وتعنى بأدبيّة النصّ، وتهتمّ بآليّات التجنيس الأدبيّ، وتصف الأساليب اللغويّة والإبداعيّة بتنوّعها. كما تصف الظواهر الأسلوبيّة البارزة، سواء أكانت صوتيّة، أم صرفيّة، أم تركيبيّة، أم دلاليّة، أم تداوليّة. ولا تقتصر الأسلوبيّة في مقاربتها المنهجيّة على الأسلوب فقط، بل تهتمّ بالكاتب، والنصّ، والقارئ على حدّ سواء. ومن هنا، فإنّ الأسلوبيّة هي الوصف اللسانيّ للنصّ الأدبيّ، في ضوء معطيات بنيويّة، ولسانيّة، وشكليّة. أضف إلى ذلك، أنّ الأسلوبيّة، في مسارها التاريخيّ، قد انتقلت من التركيز على المؤلِّف، والمبدع إلى دراسة النصّ الأدبيّ في فرادته واستقلاليّته، وانسجامه، واتّساقه. أي: انتقلت من الذاتيّة (المؤلِّف( إلى الموضوعيّة (النصّ(، ومن الطابع النفسيّ، والتعبيريّ إلى الطابع العلميّ بخصوصيّاته اللسانيّة، والإحصائيّة، والسيميائيّة، والبنيويّة.

بَيْدَ أنّ من أهمّ سلبيّات الأسلوبيّة أنّ موضوعها لم يتحدّد بدقّة، ولم يتوضّح مجالها التخصّصيّ بشكل كافٍ؛ نظرًا إلى تداخل الأسلوبيّة مع مجموعة من المعارف، مثل: اللسانيّات، والبلاغة، والتداوليّات، والشعريّة، والسيميائيّات، والنقد الأدبيّ… ويعني هذا أنّ الأسلوبيّة لم تحدّد بدقّة موضوعها، ومجال اكتمالها، ومنهجيّتها الخاصّة في التعامل مع الظواهر الأسلوبيّة. ويضاف إلى هذا، أنّ المفاهيم التي تشتغل عليها، والمواضيع التي تؤرّقها، هي المواضيع نفسها التي تناولتها العلوم والتخصّصات الأخرى.

وإذا أخذنا، مثلاً، قضيّة الأدبيّة، وتقعيد الأجناس الأدبيّة، وقضيّة الانزياح، والحقيقة والمجاز، والصور البلاغيّة، فهي الاهتمامات نفسها التي اهتمّت بها الشعريّة، والبنيويّة اللسانيّة، والسيميائيّات، والتداوليّات… علاوة على هذا، فالتركيز كثيرًا على الأسلوب لسانيًّا وإحصائيًّا يحوّل الدراسة إلى وثيقة علميّة، وكمّيّة، وشكليّة، تخلو من المتعة الانطباعيّة، وتفتقر إلى الجماليّة الذوقيّة. ومن جهة أخرى، تعطي الأولويّة للأسلوب على حساب الدلالة والمرجع.

د سهام علي طالب

أخر المقالات

منكم وإليكم