تقبع فيلا «إمبرون» ورباعية الاسكندرية التي كانت ،التى شيدت على الطراز الإيطالي عام 1920م ،للمصمم المهندس المعماري: “بيل إيبوك”.

فيلا آمبرون … ورباعية الاسكندرية التي كانت!

في19 شارع المأمون الهادئ بحي محرم بك العريق بالإسكندرية؛ كانت تقبع فيلا «إمبرون»، التى شيدت على الطراز الإيطالي عام 1920 من تصميم المهندس المعماري “بيل إيبوك” وكانت ملكاً لعائلة المقاول الإيطالي «آلدو آمبرون» وزوجته الفنانة التشكيلية إميليا.
الفيلا كانت تطل على ثلاثة شوارع؛ المأمون وعلى شيحة (الكنوز سابقا) وشارع النعم.

عاش آل أمبرون القادمين من إيطاليا في وطنهم المستجد داخل جدران الفيلا التي بُنيت على الطراز الإيطالي بكثير من الفن الذي يماثل مزاج العائلة المسيطر عليه عشق الفنون.
فالزوجة إميليا كانت فنانة تشكيلية والزوج ألدو أمبرون كان معمارى ومقاول، ترأس شركة أسست منشآت كثيرة في الاسكندرية اشهرها هو كورنيش الميناء الشرقي ومنتزه عباس حلمي، وكان صديق للبرنس يوسف كمال الذي أسس مدرسة الفنون الجميلة وشارك معه آمبرون في تأسيس جمعية محبي الفنون الجميلة، ربما هذا ما جعل آلدو يفتح أبواب بيته ويرحب باستضافة فنانين آخرين.

أخذت الفيلا شهرة واسعة بعد أن عاش فى أجنابها مشاهير المجتمع حين ذاك مثل الملك فيكتور عمانويل آخر ملوك ايطاليا الذى أطلق على اسمه ميدان فيكتور عمانويل الشهير بسموحة وكذلك الأمير نيكولا من عائلة رومانوف الذي لجأ لمصر في الحرب العالمية الثانية، ثم نزل بها عدد كبير من الفنانين الاجانب والمصريين، أشهرهم كان الكاتب البريطاني لوارنس داريل (1912 ـ 1999) الذي سكنها خلال الفترة من 1942 وعمله مراسلاً حربياً للجيش البريطانى، ثم ملحقاً صحفياً لشؤون الأجانب فى الخارجية البريطانية، أثناء فترة الحرب العالمية الثانية، استأجر داريل الطابق العلوي وعاش فيه حتى مغادرته الإسكندرية بشكل نهائي، أعقاب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
ومن بعده عاش عدد من الفنانين المصريين فى فيلا آمبرون منهم عفت ناجي، وسعد الخادم، وجاذبية سرى.

أشهر ما ميز الفيلا كان برجها المثمن الشهير الملحق بها فكان شبيه لفنار الإسكندرية القديم، وجعلها تجمع بين سمات الفيلا والقصر معا!
بالإضافة للحديقة الغناء التي قيل إن الجيران كانوا يقفون في البالكونات لتأمل جمال ما فيها، حيث ضمت نباتات وزهور من أجمل ما يكون مثل الزنابق والبنفسج وابو خنجر وأشجار الفرنجيباني، وكانت بها ملعب تنس وتماثيل رخام رومانية وأعمدة جرانيت، غير نموذج مصغر لسفينة نوح للأطفال ليلعبوا فيه وجزء في الحديقة مخصص كمرسم لأميليا وأصدقائها.
وانضم لداريل بعد فترة زوجته الجديدة إيف كوهين وعاشت معاه ونشأت صداقة بين الأسرتين آلدو أمبرون وأولاده وبنته جيلدا ،ولورانس داريل وزوجته.

شهدت الفيلا ميلاد الرباعية الشهيرة لداريل وهى (رباعية الاسكندرية) أشهر ما كتب عن الاسكندرية في العصر الحديث.
صدر أول أجزائها “جوستين” في عام 1957 الجزء الأول من أربعة أجزاء صدرت تباعا بعناوين (جوستين، وبالتازار، مونت أوليف وانتهت بكليا)
الرباعية تحدثت عن مناطق الملاحات وشارع النبي دانيال ومحرم بك وشارع التتويج وكوم الدكة وعمود السواري ومحطة مصر ومقابر الشاطبي.

لورانس داريل زار اسكندرية للمرة الثانية بإقناع من قناة بي بي سي لعمل فيلم عن الفترة التي عاشها في الأسكندرية، الكاتب الذي رشح مرتين لنوبل واعتبر من اشهر الروائيين في النصف الثاني من القرن العشرين حقق من خلال هذه الرباعية نجاحًا كبيرا
لدرجة أن السياح البريطانيين عند زيارة الاسكندرية كانوا يطلبون زيارة فيلا لورانس داريل كما اشتُهرت.
وفي تلك زيارة في السبعينات أصيب بحالة من الذهول للمصير الذي آلت ليه الفيلا بعد غياب أفراد من آل أمبرون عن الحياة وسفر بعضهم ..القصر الذي كان قطعة فنية تحول إلى خردة!

فكتب داريل عن مذكراته للزيارة : “تغير الحي الكائن به المنزل، اختفت القصور والفيلات والمساحات الخضراء والحدائق التي كانت تميز حي محرم بك، وحلت محلها كتل خرسانية عارية من الجمال والذوق.
أما المنزل، فما إن وقعت عيناي عليه حتى انعقد لساني من فرط المفاجأة!

ما هذا الإهمال الذي بدا واضحاً على كل ركن من أركانه!
فالسور الخارجي صدئ، وتآكلت أعواده، وبوابته العريضة الضخمة مالت على جنبها.
الجدران تصدعت، وسكن جوانب أركانها العنكبوت. الحديقة تحولت لمكان مهجور أين ذهب المنزل الساحر، الذي كان محاطاً بحديقة غناء تحوى أندر وأجمل الخمائل والأشجار؟ أين ذهبت النافورة الرخامية بديعة الصنع والتماثيل، والأعمدة الرخامية، وساعة الزهور الرخامية المنقوشة عليها الحروف اللاتينية، والمصور عليها مسار الشمس، التي كانت تعد من أندر الساعات!

كانت هناك آمال لتجديد الفيلا وإقامة متحف فيها لواحدة من الفنانين الذين سكنوا الفيلا فيما بعد الفنانة التشكيلية عفت ناجى وزوجها الفنان سعد الخادم، إلا إنه بعد بيع الفيلا من قبل الورثة تم إهمالها حتى تحولت إلى مزرعة مواشى!
وحديقة الفيلا التي كانت مليئة بالاشجار والنباتات النادرة تم تقسيمها وبيعها واقيمت مكانها عمارات سكنية.
تم إهمال المبنى الأساسى للفيلا بشكل كبير، حتى أصبحت أجزاؤه تتساقط يوما بعد يوم، ووصل المبنى إلى حالة يرثى لها، كما تحول فناء الفيلا إلى مقلب للقمامة.

في عام 1996 باع أصحاب الفيلا هذا الاثر العظيم لاحد المقاولين لتنتهي فيلا آمبرون

أخر المقالات

منكم وإليكم