تصوير الحياة البرية بين الحظ و الصدفة

جيسون بولاك

ذكرتني رحلة حديثة للبحث عن الطيور المهاجرة في الربيع، مرة أخرى، بأهمية الحظ في تصوير الحياة البرية. هذا لا يعني أن كل صورة تتطلب حظًا كبيرًا. على سبيل المثال، انظر إلى هذه الصورة:

أعجبتني هذه الصورة لطائر الشحرور أحمر الجناح (Agelaius phoeniceus)، لكنني لا أظن أن الحظ كان عاملاً حاسماً في التقاطها. فقد وجدتُ هذا الذكر الصاخب في الربيع، يُغرّد على بعض القصب قرب بركةٍ تُفضّلها هذه الطيور الملونة.

في هذا الوقت من السنة، تُحلّق أعدادٌ كبيرة منها من قصبةٍ إلى أخرى. ليس هذا فحسب، بل يتوفر متسعٌ من الوقت لانتظار هبوطها على خلفياتٍ خلابة، بل وحتى لاستكشاف أفضل الأماكن للجلوس وتناول وجبةٍ خفيفة. صحيحٌ أن هناك بعض الحظ في اختيار وضعياتٍ رائعةٍ للتصوير، لكنّ هذه الوضعيات الجميلة تتكرر بكثرةٍ لدرجة أن التقاط صورةٍ كهذه مضمونٌ عملياً… أو استرداد أموالك!

لكن هناك حالاتٌ أخرى تتطلب حظاً أكبر بكثير. ماذا عن هذا البط الغطاس الشائع، أو Mergus merganser باللاتينية؟ اسمٌ مبتكر، أليس كذلك؟

كان الحظ حليفًا لي في التقاط هذه الصورة. ذهبتُ إلى بركة صغيرة في المدينة لألتقطها. تستمتع البطات الشمالية، مثل هذه، بالاستراحة في مثل هذه البرك قبل التوجه إلى مناطق التكاثر. لسوء الحظ، تُفضل هذه البطات الغاطسة السباحة قرب مركز البركة، بعيدًا جدًا حتى عن العدسات ذات البعد البؤري الأطول. كان هناك سبب واحد فقط لاقتراب هذه البطة الغاطسة: كان جزء كبير من البركة لا يزال متجمدًا.

الأمر المثير للاهتمام هو أن شمس الربيع المشرقة كانت تُذيب الجليد بينما كنت أحاول التقاط الصورة. بعد نصف ساعة، انحسر الجليد بعيدًا جدًا إلى مركز البركة، واختفت الطيور. لو حاولتُ حينها، لما تمكنتُ من التقاط الصورة أبدًا. إضافةً إلى ذلك، كان يومًا مشمسًا، واختفت الشمس خلف الغيوم تمامًا عندما مرت هذه الأنثى السعيدة، مما منحني إضاءةً أكثر نعومةً وجمالًا! يا له من حظ!

كل هذا التفكير في الحظ جعلني أتساءل عن مدى تأثير الحظ إحصائيًا. لذلك، طلبتُ من موقع darktable ترتيب صوري المفضلة عشوائيًا. ثم قمت بتقييم أول مئة صورة رأيتها على مقياس من 1 إلى 5. أعطيت الصورة “1” إذا اعتقدت أنه من السهل نسبيًا الحصول على صورة مماثلة، و”5″ إذا اعتقدت أنه من شبه المستحيل الحصول عليها مرة أخرى. إليكم النتائج:

هناك عدد متوقع من الصور “السهلة” نظرًا لوجود أنواع شائعة ومتأقلمة مثل الإوز الكندي. ليس من الصعب الحصول على فرص جيدة لتصويرها، لأنها منتشرة في كل مكان.

لكن 55% منها حصلت على تقييم ثلاثة أو أعلى، ما يعني أن التقاط صور كهذه سيكون صعباً نسبياً. هذا لا يعني أنني لن أرى هذه الأنواع من الطيور أو الحيوانات مرة أخرى، ولكنه يعني أنه إذا رأيتها مجدداً، فمن المرجح أن تكون البيئة المحيطة مختلفة تماماً، ولن يكون لدي سوى فرصة متوسطة لالتقاط صورة جيدة.

بالمناسبة، ليست كل هذه الأنواع التي يصعب تصويرها نادرة. خذ على سبيل المثال ببغاء السهول (Brotogeris tirica):

هل هو نادر؟ ليس تمامًا. يمكنك رؤيته في جميع أنحاء البرازيل، وبشكل متكرر. في الواقع، هو الطائر رقم 58 الأكثر تصويرًا في البرازيل، وهي دولة تضم 1841 نوعًا مسجلًا من الطيور.

لكن العثور على هذه اللحظة بالذات مع الببغاوات وهي تتغذى على أغصان النخيل المتدلية كان أمرًا نادرًا للغاية. وكان التواجد على منصة مرتفعة قليلًا، مع الاقتراب بما يكفي للاختباء خلف هيكل صغير، ميزة إضافية. لذا، أعتقد أنه سيكون من الصعب جدًا تكرار هذا النوع من اللقطات دون حظ.

(بالمناسبة، ببغاء السهول، على الرغم من شيوعه، إلا أنه متوطن في البرازيل، لذا ستحتاج إلى الذهاب إلى هناك لرؤيته. وهو أمر سأتحدث عنه لاحقًا… حسنًا، من الأفضل أن أتحدث عن ذلك لاحقًا.)

وهذا يقودني إلى أهم عنصر في تصوير الحياة البرية. لا… هذا العنصر ليس الطعام، ولا الرغبة الصحية في التواجد في أعماق الغابات طوال الوقت، مع أنني أقر بأهمية هذين العنصرين. السر الحقيقي هو الخروج باستمرار، لأنك لا تستطيع التحكم في ظروف وجود الحيوان، ناهيك عن وجوده أصلاً!

في هذه الأيام، أنا محظوظ لأنني أرى الغزلان في كل مرة أخرج فيها تقريبًا. لكن في ثلاث من كل أربع مرات، لا تكون الإضاءة أو المواقع مثالية لخلق بيئة مناسبة للتصوير. نادرًا ما تتزامن الإضاءة والتوقيت لإنتاج شيء أكثر إثارة للاهتمام.

لحظة… ماذا عن تلك اللقطات التي لا تعتمد على الحظ بشكل كبير؟ هل يمكننا الاكتفاء بها فقط؟ ربما، لكنني عادةً ما أجد أن اللقطات الأكثر صعوبةً و”حظًا” هي الأكثر إثارةً للاهتمام، وتُقدّم أحيانًا سياقًا بيئيًا غير مألوف، وهذا ما يستحق البحث عنه.

لكن حتى مع الأنواع الشائعة، من المهم الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة. صحيح أنه قد يكون من السهل التقاط صورة واضحة ومُتقنة التكوين لطائر الشحرور أحمر الجناح، لكن هل هناك عنصر صغير مُشتّت للانتباه في الزاوية؟ هل الخلفية مثالية تمامًا؟ هل أضفتَ عنصرًا غير مألوف أو يُشير إلى موطن هذا النوع؟ مع اللقاءات الأكثر شيوعًا والأقل اعتمادًا على الحظ، يصبح من الأهمية بمكان الاهتمام بهذه التفاصيل.

بمعنى آخر، قد يكون من السهل التقاط صورة جيدة لنوع شائع، لكن هذا يعني ببساطة أن الأنواع الأكثر شيوعًا تُتيح فرصةً لالتقاط كل شيء على أكمل وجه، وتجاوز مفهوم “الجيد بما فيه الكفاية”. وربما يتطلب ذلك أيضًا قدرًا لا بأس به من الحظ.لا يُقصد بهذا التقليل من أهمية معرفة الكاميرا، أو معرفة الأنواع التي تُصوّرها، أو إتقان مهارات معالجة الصور. كل ذلك على الأرجح بنفس القدر من الأهمية، ولكنه في رأيي أكثر وضوحًا. عليك القيام بهذه الأمور التقنية. ولكن في بعض الأحيان، عليك أيضًا ببساطة الجلوس بهدوء وانتظار تلك اللحظات الفريدة والموفقة.

……………..

المصدر: photography life

أخر المقالات

منكم وإليكم