أنطون تشيخوف… الرجل الذي لم يشأ أن يُذل أحداً
جودت هوشيار
تتردد في كتب الذكريات عن أنطون تشيخوف حكاية مؤثرة تعود إلى سنوات دراسته في المدرسة الثانوية. تقول الرواية إن الفتى مدّ يده يوماً لمصافحة أحد معلميه، لكن المعلم تجاهل اليد الممدودة وتركها معلقة في الهواء. كانت لحظة قصيرة، لكنها غرست في نفس تشيخوف شعوراً عميقاً بالمهانة والخذلان، وظلت راسخة في ذاكرته سنوات طويلة. وسواء أكانت هذه الحكاية قد رويت بتفاصيلها الدقيقة أم أضفت عليها الذاكرة شيئاً من المبالغة، فإنها تنسجم تماماً مع الشخصية التي عرفها كل من عاشر تشيخوف: إنسان يرى أن الكرامة الإنسانية أثمن من أن تُمس بكلمة أو تصرف.ومنذ شبابه بدا وكأنه عقد مع نفسه عهداً صامتاً: ألا يتسبب في إذلال إنسان، وألا يجرح مشاعر أحد، وأن يعامل الناس جميعاً بالاحترام نفسه، بصرف النظر عن مكانتهم أو ثقافتهم أو شهرتهم. ولم يكن هذا مجرد شعار أخلاقي، بل أسلوب حياة لازمه حتى أيامه الأخيرة.وتروي المذكرات أن تشيخوف، في إحدى الأمسيات التي أقيمت تكريماً له، أصر على أن يصافح جميع الحاضرين فرداً فرداً. كان آنذاك يعاني مرض السل الذي أنهك جسده، والوقوف الطويل يرهقه إلى حد الإغماء، ومع ذلك رفض أن يتجاوز أحداً أو يعتذر عن مصافحة أحد. ظل واقفاً حتى انتهت المناسبة، ثم عاد إلى منزله منهكاً، وقد ازدادت حالته الصحية سوءاً. لم يكن يريد أن يشعر شخص واحد بأن الكاتب الكبير تجاهله أو انتقص من قدره.وكانت هذه الحساسية المرهفة تجاه الآخرين تظهر أيضاً في مراسلاته. فقد كان يتلقى كل يوم عدداً كبيراً من الرسائل من قراء وكتّاب مبتدئين وطلاب وأشخاص لا يعرفهم إطلاقاً. وبرغم انشغاله بالكتابة وممارسة الطب وتدهور صحته، كان يحرص على الرد على معظم تلك الرسائل. ولم يكن يفرق بين رسالة كتبها أديب مشهور وأخرى بعث بها إنسان بسيط أو قليل الثقافة. كان يرى أن من يكتب إليه إنما يمنحه شيئاً من وقته وثقته، وأقل ما يستحقه هو جواب كريم. وقد حفظت رسائل تشيخوف، التي يزيد عددها على أربعة آلاف رسالة، عشرات الأمثلة على هذا الخلق الرفيع، حتى غدت هذه المراسلات وحدها مدرسة في التواضع والرقة واحترام الإنسان.ولم يكن إحساسه بالكرامة الإنسانية يقتصر على العلاقات الشخصية، بل امتد إلى مواقفه العامة. ففي عام 1902 انتُخب مكسيم غوركي عضواً فخرياً في أكاديمية العلوم الروسية، لكن القيصر نيقولا الثاني أمر بإلغاء هذا الانتخاب بسبب مواقف غوركي السياسية. عندئذٍ لم يتردد تشيخوف في تقديم استقالته من عضوية الأكاديمية، وانضم إليه الكاتب الكبير فلاديمير كورولينكو. كان يدرك أن احتجاجه لن يغيّر قرار السلطة، لكنه رأى أن البقاء في مؤسسة تُهدر إرادة أعضائها أمر لا ينسجم مع ضميره.ومن المواقف التي تكشف عن نزاهته الصارمة موقفه من عقد نشر مؤلفاته. فقد باع حقوق نشر أعماله إلى الناشر الشهير أدولف ماركس مقابل خمسة وسبعين ألف روبل، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمن، لكنه كان أقل بكثير من القيمة الحقيقية التي كان يمكن أن تحققها مؤلفاته. وحين رأى بعض أصدقائه الأدباء أن الصفقة مجحفة بحقه، وشجعوه على التراجع عنها، رفض ذلك بكل هدوء. قال إن العقد وُقّع بإرادته الحرة، وإن الرجوع عن كلمة أعطاها لا يليق به. كان احترامه لالتزامه الأخلاقي عنده أثمن من أي مكسب مالي إضافي.ولم يكن هذا السلوك استثناءً في حياته، بل كان امتداداً لشخصيته كلها. فالطبيب الذي عالج الفقراء مجاناً، والكاتب الذي بنى المدارس وساهم في إنشاء مكتبات واهتم بتحسين أوضاع الفلاحين، لم يكن يرى الأدب منفصلاً عن الأخلاق، ولا الشهرة مبرراً للتعالي على الناس. وكان يؤمن بأن الإنسان يُعرف، قبل كل شيء، بطريقة تعامله مع من هم أضعف منه أو أقل مكانة منه.قد تبدو هذه الحكايات بسيطة، وربما ساذجة، في عصر أصبحت فيه السرعة والمنفعة والمصلحة الشخصية هي القيم الغالبة. لكن قيمة تشيخوف لا تكمن في عبقريته الأدبية وحدها، بل في ذلك التطابق النادر بين ما كتبه وما عاشه. لقد أثبت أن الرقة ليست ضعفاً، وأن احترام الإنسان ليس مجاملة اجتماعية، بل موقف أخلاقي يحتاج إلى شجاعة، وأن أعظم ما يمكن أن يتركه الكاتب بعد رحيله ليس كتبه وحدها، وإنما المثال الإنساني الذي يجسد تلك الكتب في حياته اليومية…
#,جودت هوشيار#,محل. ايليت فوتو ارت


