فقه النجاة من فخاخ الابتزاز الرقمي
بقلم: محمد ناصر الدين
في زحمة الحياة وتداخل العلاقات، تمر بنا مواقف يومية ومباشرة لا يكاد ينجو منها أحدنا، فإذا أرسلت رسالة مكتوبة إلى شخص ما عبر تطبيقات المحادثة كالواتساب، فاحرص قدر المستطاع ألا تلجأ لخاصية الحذف والتراجع، وأنا هنا لا أتكلم عن خطأ إملائي تكتبه وتتراجع عنه لتصحيحه، فهذا أمر عادي جداً، بل المقصود أن تكتب فكرة أو رسالة تريد إيصالها، ثم تتراجع عن ذلك وتحذفه لارتياب أو خوف أو تردد، ففي مساحة الثبات هذه تحديدا، تستطيع أنت وهو قراءة عمق شخصيتك، والتراجع بالحذف المتكرر يوحي بالخوف من التبعات، أما إبقاء الكلمة كما خرجت فهو مرآة لشجاعتك الأدبية، وشاهد على تصالحك مع فكرك، فالكلمة ميثاق ومسؤولية، ومن يحذف كلماته باستمرار هو شخص يرتعد من مواجهة نفسه قبل مواجهة الآخرين.
أولاً – تفكيك الابتزاز العاطفي
تجد في معارك الأيام فئة تسمى المبتز العاطفي، تسعى للسيطرة وإضاعة الحقوق عبر صخب الحنجرة والتهويل، سواء في بيئة العمل أو في النقاشات العائلية، حين يهدد أحدهم بقطع العلاقات، أو حتى التظاهر بإيذاء النفس، ليستغل عاطفتك لتتنازل، فإن المواجهة هنا تقتضي أعلى درجات الهدوء الممزوج بالبرود، فواجه ثورته بثبات، وقل له بحسم هدئ من روعك، فما دخل انفعالك في نزاع موضوعي يُناقش؟ وضع حجتك واستمع لحجتي، واملك زمام المجلس بإجباره على منطق الدليل، وإياك أن تتنازل عن حقك أمام هذا الضجيج المستعار، فالصوت العالي ليس إلا ستارا هشا يخفي وراءه إفلاسا في الحجة والمنطق.
ثانياً – صدمة الابتزاز الإلكتروني
ومن أشد أنواع الابتزاز في عصرنا هذا، هو فخ الابتزاز الإلكتروني، فأنت تجلس آمنا تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، لتصلك رسالة من مجهول تحمل رابطاً أو كلمة عابرة، فبضغطة واحدة، أو لحظة ضعف في محادثة، كانت كفيلة بأن تمنح لصا حقيرا مفاتيح جهازك وخصوصيتك، ليبدأ أبشع أنواع الإرهاب النفسي مهددا بنشر صورك وفضحك.
في تلك اللحظة تحديداً تتضافر لغة الطب وعلم النفس لتفسير ما يحدث، فعلى المستوى الجسدي يفرز جسدك هرمون الأدرينالين بكميات هائلة، وتسيطر اللوزة الدماغية على تفكيرك المنطقي، وهنا يستغل المبتز هذه الحالة ليمارس عليك ما يُعرف في علم النفس بالتلاعب بالواقع ليوهمك أن حياتك انتهت، فتشعر بانقباض في الصدر، والخوف على السمعة والعرض يشل تفكيرك، وهذا طبيعي ومفهوم في غريزة البشر، وقد صدق الشاعر حين قال:
أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لا أُدَنِّسُهُ
لا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمَالِ
وهنا يجب أن ندرك حقيقة مفزعة، فالوقوع في هذا الفخ لا يفرق بين جاهل ومتعلم، بل إن المتعلم قد يقع أسرع لغروره بظن أنه يفهم الآخرين أفضل من غيره، فالجهل الرقمي لا تشفيه الشهادات الأكاديمية، وصاحب البصيرة الحقيقية هو من يمتلك الحذر.
ثالثاً – منهج النجاة وقلب الطاولة
كيف نخرج من هذا النفق المظلم؟ خطوتك الأولى هي أن تزرع في يقينك أن لكل مصيبة حلا، ولكل باب مغلق مفتاحاً، مصداقاً لقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
إياك أن تواجه هذا الذئب وحدك، فالعزلة في هذه المصيبة هي سلاح المبتز الأول، وأشرك فوراً شخصاً خبيرا وموثوقاً يمتلك حكمة ودراية تقنية ليضع معك خطة مضادة، ولا تتردد أبدا في إبلاغ وحدة الجرائم الإلكترونية في بلدك بصمت تام، فهؤلاء المبتزون هم أجبن خلق الله في الواقع، وبمجرد أن يستشعروا دخول الجهات الأمنية المختصة يفرون كالفئران، فالأمن يملك أدوات تتبع لا يملكها الأفراد، ولا تكن أنانيا تبحث عن نجاتك فقط، بل يجب الإيقاع بهذا المجرم لردع أذاه عن غيرك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» متفق عليه.
القاعدة الذهبية هنا هي قلب الطاولة، فاعلم أن المبتز لا يملك قوة ذاتية، بل يستمد طاقته من خوفك أنت، ونقطة ضعفك هي سلاحه الوحيد، لذا يجب أن تحول هذا الضعف إلى قوة مدمرة له، فخف في داخلك كما تشاء، لكن إياك أن تظهر له ذرة رعب، بل واجهه ببرود قاتل لكسب الوقت وتضييعه، فإذا أظهرت له عدم اكتراثك وتظاهرت بالقوة وأنت في قمة ضعفك، سيفقد هو توازنه، فجفف منابع خوفك أمامه فيموت غيظاً وارتباكاً.
رابعاً – حرق أوراق المبتز
ولنا في السيرة النبوية أروع مثل في التعامل مع رسائل الاستدراج في لحظات الضعف، حين قاطع المجتمع الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه وضاقت عليه الأرض، في الحادثة الشهيرة قال تعالى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ)، ففي قمة عزلته وضعفه، جاءته رسالة من ملك غسان تبتزه عاطفيا وسياسيا وتدعوه للحاق بهم، فماذا فعل كعب في هذه القصة التي رواها البخاري ومسلم؟ لم يرد، ولم يبرر، بل أخذ الرسالة ورماها في التنور وأحرقها وقال: وهذا أيضا من البلاء، فقد أحرق كعب أداة الابتزاز فوراً وماتت الفتنة في مهدها، وهكذا يجب أن تفعل، أحرق أوراق المبتز بالتجاهل والبرود.
خامساً – الابتزاز المادي
إن وصلت الأمور لطريق مسدود وأيقنت أنه سينشر، فإياك ثم إياك أن تدفع له فلسا واحداً منذ البداية، فالبعض يظن أنه بالدفعة الأولى يشتري ستره وصمته، ولكنك في الحقيقة تشتري تذكرة اشتراك دائم في جحيم الابتزاز، فالمبتز إذا تذوق طعم مالك مرة، أدرك أنك فريسة قابلة للحلب ولن يتركك أبداً، لذلك اقطع عليه الطريق، وارفع في وجهه سلاح اللامبالاة المطلقة، وقل له افعل ما شئت فليس لدي ما أخسره.
وفي عصرنا الحالي يمنحنا التطور التقني درعا واقيا، فإذا نشر شيئاً فالرد المجتمعي جاهز وبسيط، وهو أن حسابي تعرض للاختراق، وكل ما يُنشر هو دبلجة وتزييف باستخدام الذكاء الاصطناعي، واليوم، الجميع يعلم أن الذكاء الاصطناعي قادر على فبركة الصوت والصورة والمحادثة ببراعة، فأنكر بقوة، ولا تؤكد له أو للمجتمع حرفا واحدا مما يدعيه، فالإنكار هنا أقوى حصون الدفاع لحماية عرضك ونفسك.
سادساً – رسالة للآباء
وهنا أقف لأوجه رسالة صارمة لكل أب وأم، إن السبب الأول الذي يجعل أبناءكم يرضخون للمبتز هو رعبهم من قسوتكم وردة فعلكم، فكونوا الملاذ الآمن لأبنائكم، وقد قرأت قصة عن فتاة جامعية وقعت في فخ الابتزاز، وطلب منها الجاني مبالغ مالية مهدداً بنشر صورها، فانهارت الفتاة وقررت في لحظة شجاعة أن تعترف لوالدها وهي تتوقع الموت، لكن الأب الذي يمثل قمة الوعي لم يصرخ ولم يعاتب، بل أخذ هاتفها وضغط على زر التسجيل الصوتي، وأرسل للمبتز رسالة ببرود قاتل قائلاً أنا والد الفتاة، انشر ما لديك الآن، لا يهمني، وأنا في طريقي للجهات الأمنية للإبلاغ عنك.
فكانت النتيجة أن المبتز أصيب برعب هستيري، وقام بحذف المحادثة، وحظر الرقم، واختفى للأبد. فالدرس من هذه القصة علني وصارخ، وهو أن احتواء الأبناء عند الزلل هو أول خطوط الدفاع لحمايتهم، وإياكم أن تكونوا الخنجر الذي يذبحهم مع الذئاب.
سابعاً – أغلقوا منافذ الشر
وختاما في هذه النقطة، تذكروا أن الوقاية خير من ألف علاج، فأغلقوا أبواب الرسائل أمام الغرباء، ولا تتركوا نوافذكم مشرعة لرياح الخبثاء، فمن أرادك بصدق سيطرق الباب من أمامه، ومن العبث أن تترك نافذتك مفتوحة ثم تشتكي من دخول اللصوص، وقد حذرنا النبي عليه الصلاة والسلام من التفريط في أسباب الحفظ، فقال: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
أما رسالتي للمجتمع الذي يطير بالفضائح ويتداولها، فاتقوا الله في أعراض الناس، ولا تكونوا خناجر في ظهر إخوانكم، فسواء كانت الصور حقيقية، أو مفبركة بالذكاء الاصطناعي، فإن تداولها جريمة شرعية، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهَ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» رواه أبو داود وصححه الألباني.
ثامناً – الصبر ووقار الحضور
وهذا يقودنا إلى نقطة عظيمة، وهي الصبر عند تعرضك لظلم أو شائعة إلكترونية أو اتهام باطل، فاحفظ هدوءك واستعن بالله وحده، وتذكر أمنا عائشة رضي الله عنها حين رُميت بالفاحشة في حادثة الإفك وهي بريئة مطهرة، فصبرت واحتسبت وتدثرت بالصمت الواثق، حتى جاءها النصر والبراءة بحكم إلهي من فوق سبع سماوات، فالظلم جولة، والانتصار عاقبة الصابرين، ومن فوض أمره لله بصدق، أورثه الله سكينة في قلبه تجعله يرى تخبط ظالمه بعين الشفقة.
والمجالس اليوم لم تعد غرفاً مغلقة، بل امتدت لتشمل مواقع التواصل الاجتماعي، فلا ترخص حضورك بنشر كل شاردة وواردة، واجتنب اللهاث خلف إضحاك الناس بمقاطع ومشاركات فارغة تذهب بالوقار، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به.
فحافظ على ملامحك الرزينة، ولا تسقط الكلفة إلا مع أعز الناس وأقربهم لروحك، فالوقار ليس تجهما، بل هو حفظ لهيبة النفس وصيانة لها من الابتذال.
همسة أخيرة:
إذا واجهت يوماً موقفا كذلك، فأفدنا بتجربتك في التعليقات لعل غيرك يستفيد منها.
وللحديث بقية تجمعنا في الجزء التاسع الأسبوع القادم إن شاء الله.
أخوكم #محمد_ناصرالدين
#شعر_فصيح
#أدب_عربي
#فكر
#مجلة ايليت فوتو ارت


