الفن… أصلٌ استثماري
الجزء الثاني: بين سوق الفن وبورصة المال والعقار… أين تتشكل القيمة؟
د. عصام عسيري
إذا كان الجزء الأول قد تناول كيف تحولت الأعمال الفنية من مقتنيات جمالية إلى أحد الأصول الاستثمارية البديلة، فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: كيف تُبنى القيمة الاقتصادية للعمل الفني؟ ولماذا ترتفع أسعار بعض اللوحات إلى ملايين الدولارات، بينما تبقى أعمال أخرى حبيسة الجدران رغم جودتها؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من مقارنة سوق الفن بسوقين يعرفهما الجميع: بورصة الأسهم والسوق العقارية. ورغم اختلاف طبيعة هذه الأسواق، فإن بينها قواسم مشتركة تكشف أن القيمة ليست رقمًا ثابتًا، بل نتيجة لعوامل اقتصادية وثقافية ونفسية واجتماعية.
في سوق الأسهم، لا يشتري المستثمر ورقة مالية فحسب، بل يشتري توقعًا لمستقبل شركة. فهو يقرأ القوائم المالية، ويتابع نمو الأرباح، والإدارة، والابتكار، وقدرة الشركة على المنافسة. وكلما ازدادت الثقة في مستقبل الشركة ارتفع سعر سهمها.
وفي سوق الفن، لا يشتري المقتني ألوانًا وقماشًا فقط، بل يشتري تاريخًا فنيًا، وسيرة إبداعية، ورؤية جمالية، ومكانة ثقافية. فالمعارض، والجوائز، والاقتناء المتحفي، والدراسات النقدية، وحضور الفنان في المزادات، كلها عناصر تشبه بصورة غير مباشرة المؤشرات التي يعتمد عليها المستثمر في تقييم الشركات.
أما العقار، فتنبع قيمته من الموقع والمساحة والواجهات، والندرة، وجودة البناء، وإمكانات التطوير، والدخل المستقبلي. والأمر ذاته ينطبق بدرجة ما على الفن؛ فندرة الأعمال، وأصالتها، وحالتها، وتوثيقها، ومكانة الفنان، كلها عناصر تحدد قيمتها السوقية.
غير أن الفروق بين هذه الأسواق لا تقل أهمية عن أوجه التشابه.
فالأسهم تمتاز بسيولة مرتفعة؛ إذ يستطيع المستثمر بيعها خلال ثوانٍ في سوق منظمة تخضع لرقابة وإفصاح مستمر. أما العقار فيحتاج إلى وقت أطول للبيع، لكنه يبقى أصلًا ملموسًا يمكن الانتفاع به. أما العمل الفني فهو أقل سيولة من الاثنين غالبًا، لأن العثور على المشتري المناسب يعتمد على الذوق، والندرة، والطلب، والظروف الاقتصادية، إضافة إلى سمعة الفنان.
ومن ناحية التسعير، تعتمد البورصة على بيانات مالية معلنة، بينما يستند العقار إلى مقارنات سوقية واضحة نسبيًا، في حين يتأثر سوق الفن بعوامل يصعب قياسها رقميًا، مثل القيمة التاريخية، والأهمية الثقافية، والتأثير النقدي، وحتى القصة المرتبطة بالعمل أو بمالكه السابق.
وهنا تظهر خصوصية الفن؛ فهو الأصل الوحيد تقريبًا الذي يمنح صاحبه عائدًا ثقافيًا وجماليًا أثناء الاحتفاظ به. فاللوحة ليست رقمًا في محفظة استثمارية، بل تجربة بصرية يومية، ورمز للهوية، وجزء من الذاكرة الإنسانية.
ومع ذلك، فإن الاستثمار في الفن لا يخلو من المخاطر. فاختيار أعمال ضعيفة، أو غير موثقة، أو لفنانين لم يثبت حضورهم، قد يؤدي إلى تجميد رأس المال سنوات طويلة دون عائد. ولهذا يؤكد خبراء اقتصاد الفن أن النجاح في هذا السوق يعتمد على المعرفة أكثر من الحظ.
ومن أبرز العوامل التي ترفع القيمة السوقية للعمل الفني:
- أصالة العمل وسلامة توثيقه وإثبات مصدره (Provenance).
- جودة الإنجاز الفني وتميز الأسلوب.
- استمرارية الفنان في الإنتاج والتطور.
- المشاركة في معارض ومقتنيات متحفية ومؤسسية.
- الدراسات النقدية والكتب التي تناولت التجربة الفنية.
- ندرة الأعمال، خاصة في المراحل المهمة من مسيرة الفنان.
- شفافية السوق ووجود مزادات ومعارض موثوقة.
وفي المقابل، هناك عوامل قد تؤدي إلى تراجع القيمة، مثل غياب التوثيق، وكثرة النسخ، والمضاربات غير المدروسة، ورفع الأسعار بصورة مصطنعة، أو الاعتماد على الحملات الدعائية بدلًا من الجودة الفنية.
ولعل من أهم الدروس التي تقدمها الأسواق المالية لسوق الفن أن الثقة هي رأس المال الحقيقي. فكما لا يزدهر سوق الأسهم دون حوكمة وإفصاح، لا يمكن لسوق الفن أن ينمو دون خبراء مستقلين، ونقاد محترفين، ومؤسسات توثيق، ومزادات شفافة، وتشريعات تحمي الفنان والمقتني والمستثمر.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث يشهد الاقتصاد الإبداعي نموًا متسارعًا في ظل رؤية 2030، تبرز فرصة تاريخية لبناء سوق فنية فوق البنية التحتية الجيدة قادرة على جذب المستثمرين المحليين والدوليين. ولن يتحقق ذلك بارتفاع الأسعار وحده، بل بترسيخ ثقافة الاقتناء، وتأهيل المقيمين والخبراء، وإصدار فهارس توثيقية للفنانين، وتطوير قواعد بيانات للمبيعات، وتشجيع الشركات على تكوين مجموعات فنية مؤسسية، كما هو معمول به في كثير من الاقتصادات المتقدمة.
إن الفن لا ينافس الأسهم، ولا يحل محل العقار، ولا يغني عن أدوات الاستثمار التقليدية، بل يكملها. فهو أصل بديل يجمع بين القيمة الاقتصادية والقيمة الحضارية، ويمنح المستثمر فرصة لتنويع أصوله، وفي الوقت نفسه يسهم في دعم الإبداع، وحفظ التراث البصري، وتعزيز الصناعات الثقافية.
وربما تكمن أعظم ميزة في الاستثمار الفني في أنه لا يحقق عائدًا ماليًا محتملًا فحسب، بل يحقق أيضًا عائدًا إنسانيًا لا يمكن إدراجه في أي ميزانية. فكل لوحة تُقتنى، وكل منحوتة تُحفظ، هي استثمار في الذاكرة، وفي الهوية، وفي مستقبل الثقافة نفسها.
ولذلك، فإن الاقتصاد الحديث لم يعد ينظر إلى الفنون بوصفها ترفًا، بل بوصفها قطاعًا منتجًا، يخلق الوظائف، ويجذب الاستثمارات، ويرفع جودة الحياة، ويمنح المدن والدول قوة ناعمة تتجاوز حدود الأسواق والأرقام. وعندما تلتقي الثقافة بالاقتصاد في سوق فنية ناضجة وشفافة، يصبح الإبداع ليس فقط مصدرًا للجمال، بل أيضًا رافدًا للتنمية والثروة المستدامة.
رابط الجزء الأول 👇
https://www.facebook.com/share/p/1DvqvdH8zB


