بين دفء الأمس وبرودة اليوم .. أين اختفت أخلاقيات الزمن الجميل؟

بقلم : أحمد رشدي

كان الزمن الجميل كما يحلو للكثيرين أن يصفوه ليس مجرد فترة زمنية مضت، بل كان حالة إنسانية متكاملة، عنوانها البساطة، وروحها المحبة، وقوامها الأخلاق.

لم تكن العلاقات تُقاس بالمصالح، ولا الكلمات تُقال بميزان الحسابات، بل كانت النوايا صافية، والقلوب أقرب، والوجوه تحمل صدقًا لا يحتاج إلى إثبات.

في ذلك الزمن، كان للعرف مكانته، وللأصول هيبته، وللكلمة وزنها الذي لا يُستهان به. كانت الشهامة تُمارس دون استعراض، والمروءة تُقدَّم دون انتظار مقابل، والإيثار سلوكًا يوميًا لا يحتاج إلى لافتة.

كان الجار سندًا، والصديق أخًا، والغريب محل ترحيب لا ريبة. وكانت البيوت مفتوحة للخير، والقلوب عامرة بالود، والرحمة تسكن التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.

أما اليوم، فقد تبدّل المشهد

لا لأن الزمن تغيّر فقط،

بل لأن الإنسان نفسه تغيّر.

تراجعت الأخلاقيات أمام ضغوط الحياة، وتآكلت القيم تحت وطأة السرعة والمادية، وتبدلت الأولويات حتى صار النجاح يُقاس بما نملك لا بما نكون. اختفت كثير من معاني الشهامة، وحلّت محلها الفردية، وغاب الإيثار لصالح الأنانية، وأصبح العطاء مشروطًا، والعلاقات محكومة بمنفعة أو مصلحة.

لقد فقدت كلمة “الجار” كثيرًا من معناها، فلم يعد السؤال عن الأحوال عادة، ولا الوقوف إلى جانب الآخر واجبًا كما كان.

تباعدت القلوب رغم تقارب البيوت، وانطفأت حرارة التواصل الإنساني أمام كثرة الشاشات. لم يعد الودّ يُعبَّر عنه كما ينبغي، ولم يعد الاعتذار سهلاً، ولا التسامح حاضرًا كما كان في النفوس.

ومن الإنصاف أن نعترف أن لهذا التحول أسبابًا متعددة؛ فالتغيرات الاقتصادية، وتسارع نمط الحياة، والانشغال الدائم، كلها عوامل ساهمت في هذا التراجع.

كما أن التأثيرات الإعلامية والثقافية، وما تحمله أحيانًا من نماذج مشوهة، لعبت دورًا في إعادة تشكيل القيم، خاصة لدى الأجيال الجديدة.

ومع غياب القدوة في بعض البيئات، وضعف التربية الأخلاقية، أصبح من الطبيعي أن تتراجع هذه المفاهيم شيئًا فشيئًا.

لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن نغفلها،

أن الأخلاق لا ترتبط بزمن معين، بل ترتبط بالإنسان نفسه. فليس كل ما مضى كان مثاليًا، وليس كل ما هو حاضر سيئًا، لكن الفرق أن القيم كانت أكثر حضورًا، وأكثر وضوحًا، وأكثر التزامًا.

إن استعادة أخلاقيات الزمن الجميل لا تعني العودة إلى الماضي، بل تعني إعادة إحياء القيم التي صنعت جماله.

تبدأ من داخل كل فرد، حين يختار أن يكون صادقًا، كريمًا، متسامحًا، حين يُقدّم الخير دون انتظار، ويحفظ الودّ، ويراعي حق الجار، ويُحسن القول والفعل.

كما أن دور الأسرة أساسي في غرس هذه المعاني منذ الصغر، ودور التعليم لا يقل أهمية في بناء شخصية متوازنة،

ودور الإعلام يجب أن يتجه نحو تعزيز النماذج الإيجابية لا تهميشها. فالمجتمع لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل يُبنى بالقيم التي تسكن أفراده.

إننا لا نحتاج إلى زمن جميل جديد ،

بل نحتاج إلى إنسان يُعيد الجمال إلى الزمن.

إنسان يعرف أن الأخلاق ليست رفاهية،

بل ضرورة، وأن المروءة ليست ذكرى، بل سلوك، وأن الشهامة ليست حكاية تُروى، بل موقف يُعاش.

وحين نُعيد للأخلاق مكانها،

سيعود الزمن جميلًا، مهما تغيّرت الأيام.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم