
بين النيل وبردى… حين حمل السوريون إلى مصر جسوراً من اللحن والكلمة والمسرح
شهادات مصرية على إسهام الشوام والسوريين في تشكيل جوانب من النهضة الفنية والأدبية والثقافية المصرية
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: التاريخ حين يكتب نفسه بعيداً عن الضجيج
ليست العلاقة الثقافية بين سورية ومصر حكاية عابرة في تاريخ المشرق العربي، وليست منافسة بين بلدين على امتلاك الفن أو الأدب أو الموسيقى؛ إنها، في جوهرها، قصة تفاعل حضاري متبادل تشكلت خلاله ملامح مهمة من النهضة العربية الحديثة.
ففي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تحرك الأدباء والفنانون والموسيقيون والصحفيون والمترجمون بين دمشق وحلب وبيروت والإسكندرية والقاهرة، وحمل كل منهم معه شيئاً من بيئته، ثم عاد بما تعلمه من البيئة الجديدة. ومن هذا الاحتكاك ولدت تجارب فنية وأدبية لم تعد سورية خالصة ولا مصرية خالصة، وإنما أصبحت جزءاً من التراث العربي الحديث المشترك.
ومن المهم هنا أن تكون العبارة دقيقة: لا يصح القول إن السوريين اخترعوا الفنون المصرية كلها أو أن مصر لم تعرف الفن قبلهم؛ فمصر تمتلك تراثاً فنياً وموسيقياً ومسرحياً عريقاً، كما أن عدداً من رواد المسرح المصري سبقوا أو عاصروا الموجات الشامية. لكن المصادر المصرية نفسها توثق أن الفنانين والأدباء السوريين والشوام أدوا دوراً مؤثراً في تطوير مجالات بعينها، وفي نقل أساليب وتجارب جديدة إلى الحياة الثقافية المصرية.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تستحق أن تُقرأ بعيداً عن التعصب، وبعيداً أيضاً عن محاولات تحويل التاريخ الثقافي إلى مباراة بين الجنسيات.
أولاً: حلب تدخل إلى الذاكرة الموسيقية المصرية
إذا أردنا أن نبدأ من الموسيقى، فإن اسم حلب يظهر مبكراً في هذه الحكاية.
ينقل الموسيقار والباحث المصري كامل الخلعي في كتابه موسيقى الشرق حديثاً عن رجل حلبي اسمه شاكر أفندي، قدم إلى مصر في القرن التاسع عشر، وكان فن الألحان فيها، وفق رواية الخلعي، لا يزال في مرحلة مختلفة عن تقاليد التواشيح والقدود التي كانت محفوظة ومتوارثة في حلب.
ويذكر الخلعي أن شاكر أفندي نقل إلى مصر مجموعة من التواشيح والقدود الحلبية، وهو نص مهم لأنه صادر عن مؤلف مصري كان يكتب عن تاريخ الموسيقى في عصر قريب نسبياً من تلك المرحلة.
وهنا لا تكمن أهمية الحكاية في شخص شاكر أفندي وحده، وإنما في آلية انتقال المعرفة الموسيقية:
حلب → مصر
الموشح → القد → المقام → الأداء → إعادة الصياغة المصرية.
لقد دخلت العناصر الموسيقية إلى بيئة جديدة، ثم بدأت تتحول داخلها.
وهذه هي طبيعة الثقافة الحية: لا تنتقل كما هي، بل تدخل في حوار مع المكان الجديد.
ثانياً: عبده الحامولي… حين يتحول الوافد إلى مادة لمدرسة مصرية جديدة
تظهر قيمة هذه المرحلة بصورة أكثر وضوحاً عند الحديث عن عبده الحامولي.
فالمصادر التي تتناول الموسيقى المصرية في القرن التاسع عشر تشير إلى أن الحامولي بدأ من أساليب غنائية كانت متداولة في البيئة المصرية آنذاك، ومنها التأثيرات التركية والشامية، ثم أخذ يطورها ويعيد صياغتها بما يتناسب مع الذوق المصري.
ويورد كامل الخلعي في حديثه عن الحامولي أنه غنى على الأسلوب الحلبي فترة، ثم أخذ يتصرف في الألحان مع المحافظة على أصولها، وأدخل عليها تعديلات جعلتها أكثر انسجاماً مع الذائقة المحلية.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في تاريخ الفنون:
التأثير لا يعني التبعية.
فقد يأخذ الفنان عن غيره، ثم يضيف إليه ويغيره ويعيد إنتاجه حتى يصبح جزءاً من شخصيته الفنية.
وهكذا يمكن النظر إلى التأثير الحلبي والشامي في الموسيقى المصرية باعتباره إحدى اللبنات التي شاركت في بناء المدرسة الغنائية المصرية الحديثة، وليس باعتباره إلغاءً لدور الموسيقيين المصريين.
ثالثاً: العازف الحلبي في فرقة الحامولي
ولا يقتصر التفاعل على الألحان والغناء.
فقد انتقلت الخبرات أيضاً عبر العازفين، ومن الأسماء التي تذكرها المصادر في هذا السياق عازف القانون الحلبي نخلة المطرجي، الذي ارتبط اسمه بفرقة عبده الحامولي.
وتكشف هذه المعلومة عن أمر بالغ الأهمية في تاريخ الموسيقى العربية:
لم تكن القاهرة تتلقى الألحان فقط، وإنما كانت تستقبل الموسيقيين أنفسهم بما يحملونه من تقاليد أداء وتقنيات عزف وخبرات بالمقامات والإيقاعات.
وهكذا أصبحت القاهرة واحدة من المختبرات الكبرى التي التقت فيها مدارس موسيقية متعددة.
رابعاً: المسرح… من الشام إلى الإسكندرية والقاهرة
إذا كانت الموسيقى واحدة من الأبواب التي عبر منها التأثير الشامي إلى مصر، فإن المسرح كان الباب الآخر الأكثر وضوحاً.
وهنا تظهر أسماء سورية ولبنانية عديدة، منها:
سليم النقاش.
يوسف خياط.
سليمان القرداحي.
أبو خليل القباني.
إسكندر فرح.
وغيرهم من الفنانين الشوام الذين شاركوا في تأسيس حركة مسرحية عربية نشطة في مصر.
وتؤكد المصادر التاريخية أن فرقة سليم النقاش وصلت إلى مصر في سبعينيات القرن التاسع عشر، ثم تبعتها فرق أخرى، الأمر الذي ساهم في اتساع النشاط المسرحي باللغة العربية.
وهذا يعني أن الحديث عن المسرح المصري الحديث لا يمكن أن يُفهم بصورة كاملة إذا عُزل عن الحركة المسرحية الشامية التي اتجهت إلى مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
خامساً: أبو خليل القباني… الدمشقي الذي وجد في مصر مسرحاً جديداً
ولعل أكثر الأسماء دلالة في هذه الرحلة هو أبو خليل القباني الدمشقي.
وصل القباني إلى الإسكندرية سنة 1884، ومعه فرقته، وبدأ نشاطه المسرحي هناك. وتوثق جريدة الأهرام وصول الفرقة السورية في يونيو 1884، وتصف القباني بأنه «الكاتب المشهور والشاعر» وتذكر وجود ممثلين ومنشدين مطربين ضمن فرقته.
وكانت أولى عروضه في الإسكندرية مرتبطة بمسرحية «أنس الجليس»، ثم انتقل نشاطه إلى مسارح أخرى، ومنها مسرح زيزينيا وحديقة الأزبكية.
لكن أهمية القباني لم تكن في مجرد تقديم مسرحيات جديدة.
لقد حمل معه نموذجاً فنياً يجمع:
التمثيل + الشعر + الغناء + الموسيقى + التلحين + الرقص + الحكاية العربية.
ولهذا تصفه بعض الدراسات المسرحية بأنه أسهم في تثبيت أقدام المسرح الغنائي العربي في مصر، ومهّد الطريق لتجارب لاحقة في المسرح الغنائي.
وهنا يصبح أبو خليل القباني شخصية تتجاوز حدود دمشق ومصر معاً.
إنه أحد رموز المسرح العربي المشترك.
سادساً: من القباني إلى سلامة حجازي وسيد درويش
لم يتوقف أثر التجربة عند القباني.
فالمسرح الذي يجمع بين التمثيل والغناء والموسيقى وجد في مصر بيئة خصبة، وظهرت بعد ذلك أسماء مصرية كبرى ارتبطت بتطور المسرح الغنائي والموسيقى المسرحية.
وتشير الدراسات المسرحية إلى أن تجربة القباني كانت من العوامل التي مهدت الطريق أمام سلامة حجازي، ثم جاءت لاحقاً تجارب سيد درويش لتأخذ المسرح الغنائي والموسيقى المصرية إلى آفاق جديدة.
وهذه واحدة من أجمل صور التفاعل الثقافي:
فنان يأتي من دمشق،
فيعمل في الإسكندرية والقاهرة،
ويلتقي بفنانين مصريين،
ثم تنتقل التجربة إلى جيل مصري جديد،
فيعيد ذلك الجيل تشكيلها،
ثم تصبح النتيجة جزءاً من تاريخ الفن المصري والعربي.
إنها ليست قصة «من أخذ من من؟»، بقدر ما هي قصة:
من أثّر في من؟ وكيف تحولت التأثيرات إلى إبداع جديد؟
سابعاً: الصحافة… الشوام في صناعة المجال الثقافي المصري
أما في الصحافة والتأليف والترجمة، فالمشهد أكثر اتساعاً.
شهدت مصر في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين نشاطاً صحفياً وثقافياً كبيراً، شارك فيه عدد من المثقفين والصحفيين الشوام والسوريين.
ولعل شهادة مصطفى لطفي المنفلوطي، أحد أبرز الأدباء المصريين، من أشهر النصوص التي تناولت هذا الدور.
ففي مقالته «أهناءٌ أم عزاء؟» ضمن النظرات، يتحدث المنفلوطي عن السوريين الذين غادر بعضهم مصر بعد إعلان الدستور العثماني، ويصف أثرهم في الحياة الثقافية المصرية، مشيراً إلى إسهامهم في الصحافة والتأليف والترجمة.
والأهم أن المنفلوطي لم يقدم المسألة باعتبارها مجرد انتقال أفراد، وإنما رآها بوصفها تجربة ثقافية تركت أثراً في المجتمع المصري.
وهذه الشهادة، بصرف النظر عن أسلوبها العاطفي المرتبط بظروف عصرها، تظل وثيقة أدبية مهمة لفهم كيف رأى أحد الأدباء المصريين الدور الثقافي للسوريين والشوام في مصر.
ثامناً: الترجمة… الجسر بين الثقافات
كان للمترجمين دور حاسم في صناعة النهضة الحديثة.
فالمترجم لا ينقل الكلمات فقط؛ بل ينقل:
الأفكار.
المصطلحات.
النظريات.
المسرحيات.
الروايات.
العلوم.
الفلسفات.
أشكال التعبير الجديدة.
وفي الحياة المسرحية المصرية تحديداً، توثق المصادر دور شخصيات شامية مثل أديب إسحاق ويوسف خياط في ترجمة وتعريب الأعمال المسرحية، إلى جانب نشاط الفرق المسرحية الشامية. كما تشير بوابة محافظة القاهرة إلى دور يوسف خياط في ترجمة الأعمال الفرنسية وإثراء الحركة المسرحية المصرية.
ومن هنا كان المترجم أحد صناع الحداثة الصامتين.
فهو لا يقف دائماً على خشبة المسرح، ولا يظهر أمام الجمهور، لكنه يفتح نافذة كاملة على عالم آخر.
تاسعاً: مصر لم تكن متلقية فقط… بل كانت شريكاً في صناعة التحول
من الضروري هنا أن نتوقف أمام خطأ منهجي قد تقع فيه بعض الكتابات المتحمسة.
ليس صحيحاً تاريخياً أن نقول:
«السوريون صنعوا الفن المصري وحدهم.»
كما لا يصح القول:
«لم يكن للسوريين دور حقيقي.»
كلا الطرفين يختزل التاريخ.
فمصر كانت تمتلك تقاليد فنية وموسيقية وأدبية راسخة، كما أن أسماء مصرية عديدة لعبت أدواراً أساسية في تطور الموسيقى والمسرح والصحافة.
لكن الصحيح، وفق ما تكشفه هذه المصادر، هو أن المجال الثقافي المصري الحديث كان فضاءً للتفاعل بين المصريين والشوام والسوريين واللبنانيين وغيرهم.
والثقافة المصرية الحديثة لم تتشكل في عزلة.
لقد تشكلت في مدينة مفتوحة على البحر المتوسط، وعلى المشرق العربي، وعلى أوروبا، وعلى حركة الهجرة والتجارة والطباعة والتعليم.
عاشراً: الإسكندرية… مختبر التلاقي الأول
تحتل الإسكندرية مكانة خاصة في هذه القصة.
فالمدينة الساحلية كانت بوابة العبور الكبرى للفنانين والمثقفين والفرق المسرحية القادمة من الشام.
وهناك بدأ أبو خليل القباني نشاطه المصري سنة 1884، قبل انتقاله إلى القاهرة. كما سبقه فنانون وفرق شامية أخرى.
كانت الإسكندرية آنذاك مدينة متعددة الثقافات، تلتقي فيها العربية باليونانية والإيطالية والفرنسية والتركية والشامية والمصرية.
ولهذا لم يكن غريباً أن تصبح مسارحها ومقاهيها وصالاتها مختبراً مبكراً للحداثة الفنية العربية.
الحادي عشر: العلم أيضاً… الهجرة بوصفها انتقالاً للمعرفة
ولا ينبغي أن نحصر الموضوع في الفن والأدب.
فالهجرات العربية بين بلاد الشام ومصر حملت معها المعلمين والأطباء والمهندسين والمترجمين وأصحاب المهن وأرباب الطباعة والنشر.
والنهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر لم تكن نهضة فنون جميلة فقط؛ كانت مشروعاً واسعاً لتحديث المعرفة والتعليم والصحافة والكتاب والمسرح.
ولهذا فإن وجود السوريين والشوام في مصر يجب أن يُقرأ ضمن حركة النهضة العربية الكبرى التي تجاوزت الحدود السياسية الحديثة.
فالحدود السياسية لم تكن دائماً هي الحدود الثقافية.
كان هناك عالم عربي واحد تتنقل فيه الكتب والمخطوطات والصحف والمسرحيات والألحان والموسيقيون والممثلون.
الثاني عشر: شهادة المنفلوطي… وثيقة تستحق القراءة
ربما تكون شهادة مصطفى لطفي المنفلوطي هي الأكثر بلاغة في هذا الملف.
يكتب في النظرات عن السوريين الذين غادروا مصر:
«ولقنوا المصريين تلك الدروس العالية في الصحافة والتأليف والترجمة.»
ثم يصفهم بأنهم كانوا جسراً بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية.
وهذه الكلمات لا ينبغي أن تستخدم لتقليل شأن المصريين أو لرفع شأن السوريين فوقهم.
بل ينبغي أن تُقرأ بوصفها شهادة على طبيعة التفاعل الثقافي في ذلك العصر.
فالمنفلوطي نفسه كان نتاجاً لذلك العالم العربي المتداخل؛ عالم الصحافة والطباعة والترجمة والكتاب والمدرسة الحديثة.
الثالث عشر: حين تتحول الهجرة إلى إبداع
إن أجمل ما في هذه القصة أن السوريين الذين وصلوا إلى مصر لم يكونوا مجرد «وافدين» يبحثون عن مكان للعمل.
كان بينهم:
كاتب يحمل مخطوطاته،
موسيقي يحمل مقاماته،
مغنٍّ يحمل صوته،
مسرحي يحمل فرقته،
مترجم يحمل لغاته،
صحفي يحمل مطبعته وقلمه،
وفنان يحمل ذاكرته البصرية.
وفي المقابل، كانت مصر تمتلك جمهوراً واسعاً، ومؤسسات ثقافية، ومسارح، وصحافة، ومدناً كبرى، وحركة اجتماعية وسياسية متسارعة.
ومن التقاء الطرفين ولدت تجارب جديدة.
وهنا تكمن فلسفة الهجرة الثقافية:
المهاجر لا ينقل بلده فقط؛ أحياناً ينقل معه جزءاً من مستقبل البلد الذي يصل إليه.
الرابع عشر: من «السرقة» إلى مفهوم «التثاقف»
من أكثر الكلمات خطورة عند الحديث عن التاريخ الفني كلمة «السرقة» إذا استُخدمت بصورة مطلقة.
فالفنون لا تتطور دائماً عبر الاختراع المنعزل.
الموسيقى تنتقل.
المقامات تنتقل.
الألحان تتغير.
المسرحيات تُترجم.
الأساليب تتلاقح.
والفنان يتعلم من الفنان.
والموشح نفسه فن تاريخي طويل تشكل عبر مراحل متعددة، ثم أعيد إنتاجه في بيئات مختلفة.
ولهذا فإن العلاقة بين الفن السوري والمصري في القرن التاسع عشر يمكن وصفها بمصطلحات أكثر علمية مثل:
التثاقف – Cultural Acculturation
التبادل الثقافي – Cultural Exchange
الاقتباس – Adaptation
إعادة الإنتاج – Reproduction
التفاعل الفني – Artistic Interaction
وهذه المفاهيم أكثر دقة من تحويل التاريخ إلى معركة ملكية بين الشعوب.
الخامس عشر: من الشام إلى مصر… ثم من مصر إلى العالم العربي
المفارقة التاريخية الجميلة أن اتجاه التأثير لم يكن واحداً.
ففي مرحلة مبكرة انتقلت عناصر فنية وأدبية ومسرحية من الشام إلى مصر.
ثم أصبحت مصر، مع تطور صناعتها الثقافية والإعلامية والسينمائية والإذاعية، مركزاً ضخماً يعيد تصدير الفن إلى العالم العربي كله.
وهكذا أصبح هناك دوران ثقافي متواصل:
الشام → مصر → العالم العربي → الشام من جديد.
وهذا يفسر لماذا يصعب أحياناً أن نقول إن فناً ما «سوري» فقط أو «مصري» فقط.
إن الثقافة العربية الحديثة نفسها كانت شبكة واسعة من التأثيرات المتبادلة.
السادس عشر: التاريخ المشترك لا يحتاج إلى تعصب
إن قراءة هذه الصفحات من التاريخ لا ينبغي أن تكون بهدف إثبات أن شعباً «أفضل» من شعب، أو أن أمة «اخترعت» فنون أمة أخرى.
التاريخ الثقافي أكثر جمالاً من ذلك.
فالمصري الذي استقبل الموسيقى الشامية لم يفقد مصريته.
والسوري الذي عمل في القاهرة لم يتخلَّ عن سوريته.
بل حدث شيء ثالث:
ولدت مساحة عربية مشتركة.
وفي تلك المساحة استطاع الحامولي أن يأخذ ويغير، واستطاع القباني أن يعرض ويؤثر، واستطاع المصريون أن يعيدوا صياغة ما وصل إليهم، واستطاع الشوام أن يندمجوا في الحياة الثقافية المصرية، ثم أصبح نتاج الطرفين جزءاً من الذاكرة العربية.
خاتمة: النيل وبردى… موسيقى واحدة بأصوات كثيرة
حين نعود اليوم إلى كتب المؤرخين والباحثين والمبدعين المصريين، نجد أن تاريخ النهضة الفنية والأدبية المصرية أكثر تركيباً وغنىً مما توحي به بعض السرديات المختصرة.
لقد كان السوريون والشوام حاضرين في الصحافة والتأليف والترجمة والمسرح والموسيقى والغناء، وكانت لهم أدوار موثقة في مراحل مهمة من تطور هذه المجالات في مصر.
وتأتي شهادة مصطفى لطفي المنفلوطي لتضع هذه العلاقة في إطار إنساني وثقافي بالغ الدلالة، حين كتب عن السوريين الذين عاشوا في مصر، وعن أثرهم في الصحافة والتأليف والترجمة والعلوم والآداب.
أما المسرح، فتأتي وثائق الصحافة المصرية نفسها لتسجل وصول فرقة أبي خليل القباني إلى الإسكندرية سنة 1884، وما تبع ذلك من عروض ونشاط مسرحي واسع.
وهكذا فإن المسألة ليست: من سرق من؟
بل السؤال الأجمل والأكثر علمية:
كيف ساهم السوري والمصري والشامي والمشرقي معاً في صناعة الثقافة العربية الحديثة؟
فالفن لا يعرف جوازات السفر.
واللحن حين يعبر الحدود لا يسأل عن جنسية المقام.
والكتاب حين يدخل مطبعة جديدة لا يحمل معه شهادة ميلاد.
والمسرح حين تضاء خشبته يصبح ملكاً للجمهور.
لقد التقى بردى بالنيل، والتقت حلب بالإسكندرية، والتقت دمشق بالقاهرة، فخرج من ذلك اللقاء شيء أكبر من الحدود: ذاكرة ثقافية عربية مشتركة، ساهم في بنائها فنانون وأدباء وعلماء من جهات متعددة، وكان السوريون والشوام أحد مكوناتها المهمة والموثقة.
ومن هنا فإن إعادة قراءة هذه المرحلة ليست دفاعاً عن جنسية ضد أخرى، وإنما هي إنصاف للتاريخ نفسه؛ لأن الحضارات لا تُبنى بجدار، بل بجسر.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


