بوابة القصر الملكي الكبير في أوغاريد.تقديم وتصوير : د.غسان القيم.

مع الفجر…
حين كان الصباح في أوغاريت يولد ببطء لا بعجلة المدن الحديثة نقف أمام البوابة الملكية وكأننا نقف أمام صدرٍ مفتوح للحياة.
الحجر ما يزال رطبًا بندى الليل كتلٌ كلسيّة عظيمة مصقولة بأيدي أجداد عرفوا الصبر تتنفس معنا أول نفسٍ نهاري.
درجات المدخل تحت أقدامنا باردة لكنها مطمئنة كأنها تقول:
تعال هنا لا خوف هنا نظام العالم.
البوابة العالية نصف مفتوحة بابها الخشبي العريض يتكئ على مفاصله البرونزية مصفّر اللون لكنه ثابت كقلب مدينة لا تنام.
نعبر.
فنسمع قبل أن نرى.
خطوات الحراس تتناغم مع نداء الديكة البعيدة، ورنين الأساور البرونزية على أذرعهم كأنها توقظ النهار لا تحرسه فقط. رائحة البخور تتسلل من الداخل بخورٌ ممزوج بخشب الأرز، لا يُقدَّم للآلهة وحدهم بل للناس أيضًا ليهدأ القلب قبل أن يواجه يومه.
إلى اليمين كاتبٌ شاب يجلس قرب الجدار لوحه الطيني بين يديه ينقش العلامات الأوغاريتية بحرص من يعرف أن الكلمة أثقل من الحجر. يرفع رأسه يبتسم بلا كلام وكأن ابتسامته تقول:
ما زال في العالم ما يُكتب فلا تيأس.
في الساحة الأولى الشمس بدأت تلمس التيجان الحجرية فتشتعل الألوان: راياتٌ صبغها الأرجوان ثياب كهنة بلون القمح وصوت ماءٍ ينساب من قناة صغيرة يذكّرنا أن الحضارة تبدأ حين يُروى العطش لا حين تُبنى الجدران.
نمشي ببطء لا نريد أن نصل.
لأن هذا العبور ليس دخول قصر بل خروج من ثِقلٍ نحمله معنا.
هنا، في هذا الصباح الأوغاريتي تتخفف النفوس المتعبة من ضجيجها، وتتعلم من المدينة درسًا قديمًا:
أن القوة يمكن أن تكون هادئة.
وأن النظام لا يعادي الرحمة.
وأن الصباح مهما تأخر، يعرف الطريق إلينا.
فنهمس لأنفسنا ونحن نكمل العبور:
ليكن هذا اليوم مثل أوغاريت..
متماسكًا من الخارج.
دافئًا من الداخل.
وقادرًا على حملنا دون أن ينكسر.

د.غسان القيم

𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة بعدستي بوابة القصر الملكي الكبير

أخر المقالات

منكم وإليكم