بقلم دكتور: نجيب روفا سفري. الصحافة والأدب… أختان تفترقان وتلتقيان.

الصحافة والأدب… أختان تفترقان وتلتقيان
بقلم د. نجيب روفا سفري
كثيراً ما يُقال إن الصحافة والأدب ينتميان إلى أسرة واحدة، وإن بينهما وشائج قربى لا تخطئها العين. فكلتاهما تعتمد الكلمة وسيلةً للتعبير، وكلتاهما تتوجهان إلى الإنسان وتسعيان إلى التأثير فيه. ومع ذلك فإن المسافة بين الصحافة والأدب ليست قصيرة كما قد يظن البعض، فلكل منهما عالمه الخاص وأهدافه وأدواته وأساليبه.
فالصحافة ابنة الواقع المباشر، مهمتها أن تنقل الخبر، وأن تصف الحدث، وأن تلاحق الوقائع كما هي أو كما تبدو في لحظتها. إنها تكتب ما حدث، وتجيب عن الأسئلة التقليدية: ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا؟ ولذلك تقوم في جوهرها على الموضوعية والدقة والسرعة والوضوح.
أما الأدب فهو ابن الإنسان من الداخل، لا يكتفي بوصف ما حدث، بل يغوص في معانيه وآثاره وأصدائه النفسية والوجدانية. الأدب لا ينقل الواقع فقط، بل يعيد تشكيله ويمنحه حياة أخرى من خلال الخيال والصورة الفنية واللغة الموحية. فإذا كانت الصحافة ترصد المشهد، فإن الأدب يكشف ما وراء المشهد.
في الصحافة تكون الحقيقة الواقعية هي الأساس، بينما في الأدب تكون الحقيقة الإنسانية أوسع من مجرد الوقائع. قد يلتزم الصحفي بما جرى حرفياً، أما الأديب فيسعى إلى ما يشعر به الإنسان تجاه ما جرى. ولهذا نجد أن الخيال عنصر أساسي في كثير من الأعمال الأدبية، بينما يبقى محدود الحضور أو غائباً في العمل الصحفي المهني.
ومن الفوارق المهمة أيضاً أن اللغة الصحفية تميل إلى الوضوح والاختصار والاقتصاد في التعبير، في حين تتسع اللغة الأدبية للجمال والإيقاع والرمز والتصوير والدهشة. فالصحفي يريد أن يُفهم، أما الأديب فيريد أن يُفهم ويُحس ويُتذوق في آن واحد.
ومع كل هذه الاختلافات، فإن العلاقة بين الصحافة والأدب لم تكن يوماً علاقة قطيعة. فكثير من كبار الأدباء كانوا صحفيين ناجحين، وكثير من الصحفيين امتلكوا حساً أدبياً رفيعاً أغنى أعمالهم. ولعل العمل الصحفي أتاح لهؤلاء الأدباء الاحتكاك اليومي بالناس والحياة والأحداث، فزودهم بمادة إنسانية غنية انعكست في رواياتهم وقصائدهم ومقالاتهم.
كما أن الصحفي المثقف القريب من عالم الأدب يكون غالباً أكثر قدرة على محاورة الأدباء وفهم تجاربهم الإبداعية. فهو لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يدرك أبعاد التجربة الأدبية وخلفياتها الفنية والفكرية. ولهذا نجد أن بعض أجمل الحوارات الأدبية كتبها صحفيون كانوا بدورهم عشاقاً للكلمة والإبداع.
إن الصحافة والأدب يلتقيان في خدمة الإنسان والكلمة والحقيقة، لكنهما يختلفان في الطريق التي يسلكانها للوصول إلى ذلك. الصحافة تبحث عن نبض اللحظة، أما الأدب فيبحث عن نبض الروح. الصحافة تسجل التاريخ وهو يحدث، أما الأدب فيمنح هذا التاريخ ذاكرةً وحياةً ومعنى.
خاتمة
ولعل أجمل ما يمكن قوله في العلاقة بين الصحافة والأدب هو أنهما نهران يصبان في بحر واحد. فالصحافة تعلمنا كيف نرى العالم، أما الأدب فيعلمنا كيف نشعر به. الصحافة تنقل إلينا صوت الواقع، والأدب ينقل إلينا صدى الإنسان في ذلك الواقع. وإذا كانت الصحافة تكتب ما يحدث اليوم، فإن الأدب يكتب ما يبقى غداً.
لهذا لا ينبغي أن ننظر إليهما بوصفهما خصمين أو متنافسين، بل بوصفهما شقيقين لكل منهما رسالته وجماله ودوره. فحين تتزين الصحافة بروح الأدب تزداد إشراقاً، وحين يقترب الأدب من نبض الحياة الذي ترصده الصحافة يزداد صدقاً وعمقاً. وبين هذا وذاك تبقى الكلمة الصادقة هي الجسر الذي يجمعهما، وتبقى خدمة الإنسان والحقيقة هي الغاية الأسمى لكليهما

بقلم دكتور نجيب روفا سفري

أخر المقالات

منكم وإليكم