بطرس الرمحين…حين يصير الرخام ذاكرةً للروح..سيرة نحات سوري صاغ بالحجر حكاية الإنسان والجمال.- إعداد: فريد إبراهيم ظفور.

بطرس الرمحين… حين يصير الرخام ذاكرةً للروح

من قرية القريّة في السويداء إلى كارّارا الإيطالية: سيرة نحات سوري صاغ بالحجر حكاية الإنسان والجمال

إعداد: فريد إبراهيم ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

مقدمة: رحيل الجسد وبقاء الأثر

ليس كل رحيلٍ نهايةً لحكاية الفنان؛ فثمة أرواح تترك وراءها ما هو أبقى من الكلمات، وتنقش حضورها في المادة الصامتة حتى يغدو الحجر صوتاً، والرخام ذاكرةً، والمنحوتة نافذةً مفتوحة على أعماق الإنسان. هكذا يظل النحات السوري بطرس الرمحين حاضراً في المشهد الفني، رغم رحيل جسده الذي أنهكه المرض، بما تركه من تجربة إبداعية امتدت من سوريا إلى أوروبا، ومن بداياتٍ تشكّلت بين الخشب والحجر إلى رحلة فنية ارتبطت بمدينة كارّارا الإيطالية، إحدى أبرز الحواضر العالمية لفن النحت على الرخام.

برحيله، لا نفتقد فناناً أتقن تطويع المادة الصلبة فحسب، بل نفتقد أيضاً إنساناً آمن بأن الفن لغة تتجاوز الحدود، وأن الإبداع الحقيقي لا يُقاس بما يتركه من أعمال فحسب، بل بما يزرعه في نفوس الآخرين من محبة ومعرفة ووفاء.

من القريّة إلى عوالم الفن

وُلد بطرس الرمحين في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 1949، في قرية القريّة بمحافظة السويداء السورية. ومن تلك البيئة التي تحمل في ذاكرتها ملامح الأرض والحجر والإنسان، بدأت تتشكل ملامح رحلته الفنية، قبل أن تتسع آفاقها نحو دمشق، ثم أوروبا، وصولاً إلى إيطاليا التي أصبحت محطة أساسية في مسيرته الإبداعية.

لم ينتظر الرمحين طويلاً حتى يكتشف طريقه؛ ففي السادسة عشرة من عمره بدأ يصنع منحوتاته الخاصة من خشب الزيتون والحجر، داخل ورشة عمل في دمشق. كانت تلك البدايات أشبه بحوار مبكر مع المادة، يختبر فيه الشاب السوري حدود الخشب وصلابة الحجر، ويبحث عن الشكل الكامن في داخلهما.

فالمنحوتة، في جوهرها، ليست مجرد مادة تُنحت بأدوات الفنان، وإنما فكرة تتخذ هيئةً مرئية، وإحساس يبحث عن صورته، ورؤية تحاول أن تمنح الصمت معنى. ولعل انجذاب الرمحين المبكر إلى النحت كشف عن ميلٍ إلى هذا الفن الذي يتطلب الصبر، ودقة الملاحظة، والقدرة على استشراف الشكل قبل اكتماله.

وفي سن الثامنة عشرة، افتتح مرسمه الفني الخاص في دمشق، وبدأ المشاركة في المعارض الجماعية وتنظيم المعارض الشخصية، محققاً حضوراً لافتاً في المشهد الفني السوري. كانت تلك الخطوة المبكرة إعلاناً عن إرادة فنان لا يريد أن يظل أسير التجربة الأولى، بل يسعى إلى بناء عالمه الخاص، وتطوير لغته التشكيلية عبر الممارسة والاحتكاك بالجمهور.

من دمشق إلى أوروبا… رحلة البحث عن لغة أوسع

ابتداءً من عام 1975، بدأ بطرس الرمحين رحلته الفنية في عدد من الدول الأوروبية، متنقلاً بين فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وسويسرا. ولم تكن هذه الرحلة مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل كانت فرصة لتوسيع التجربة، والتعرف إلى تقاليد النحت ومدارسه، والانفتاح على بيئات ثقافية وفنية متعددة.

ومنذ عام 1983، بدأت أعماله تُعرض في عدد من المحطات الأوروبية، بما أتاح لها الوصول إلى جمهور يتجاوز حدود الوطن، وفتح أمام تجربته آفاقاً جديدة للحوار مع الفن المعاصر.

وفي عام 1987، تخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة في كارّارا الإيطالية، وهي المدينة التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من استخراج الرخام وصناعته ونحته، واستقطبت أجيالاً من الفنانين الذين وجدوا في حجرها الأبيض مادةً نابضة بإمكانات التشكيل.

شكّل التخرج الأكاديمي محطة مهمة في مسيرته، إذ التقت الخبرة العملية التي راكمها منذ مراهقته بالتكوين الفني المنهجي، في تجربة جمعت بين المعرفة التقنية والحس الإبداعي. وهنا لم يعد الحجر مجرد مادة صلبة تنتظر أدوات النحات، بل أصبح مجالاً للتفكير في الكتلة والفراغ، والتوازن والحركة، والسطح والملمس، والعلاقة بين الشكل والضوء.

كارّارا… حيث يتعلّم الرخام لغة الضوء

في كارّارا، وجد الرمحين فضاءً مناسباً لترسيخ مشروعه الفني والمهني. وقد اتخذ من المدينة موطناً لتجربته، فأسس عام 1991 استوديو النحت «ARCO ARTE»، الذي جمع بين المرسم وورشة العمل والمختبر الفني وقاعات العرض الدائمة.

ولم يكن هذا المشروع مجرد مكان لإنجاز المنحوتات، بل تحول إلى مساحة تتيح تبادل الخبرات، وتعلّم التقنيات، والتفاعل مع الفنانين والمهتمين بالنحت من بلدان مختلفة.

وقد أتاح الاستوديو تنظيم دورات تقنية في النحت على الرخام، يتعلم المشاركون خلالها من خلال الإشراف المباشر والخبرة العملية، مع توفير إقامة قريبة من الورشة للراغبين في خوض تجربة تعليمية متكاملة.

في هذه المبادرة تتجلى إحدى القيم المهمة في شخصية الفنان: أن المعرفة الفنية لا ينبغي أن تبقى حبيسة المرسم، وأن الخبرة التي يصنعها الفنان عبر سنوات من التجريب والعمل تصبح أكثر قيمة حين تنتقل إلى الآخرين.

إن النحات الذي يعلّم الآخرين كيف يقرؤون الحجر، وكيف يكتشفون اتجاهاته وخصائصه، لا ينقل إليهم مهارة تقنية فحسب، بل يفتح أمامهم باباً لفهم العلاقة بين اليد والعين والفكر، وبين التخطيط المسبق والمفاجآت التي تفرضها المادة أثناء العمل.

وهكذا تجاوز دور الرمحين حدود الإنتاج الفني الفردي، ليشمل التعليم والتدريب وتهيئة بيئة يلتقي فيها الفنانون من ثقافات متعددة حول لغة واحدة: لغة النحت.

فلسفة النحت… حين تتحول المادة إلى تجربة إنسانية

في حديثه عن تجربته، يختصر بطرس الرمحين جانباً من رؤيته الفنية بقوله:

«بأفكاري، في منحوتاتي أسكب لحظات حياتي، تُرجمت خيوط قصتي إلى أشكال رخامية متناسقة تتفاعل مع حساسية الناظر».

تكشف هذه العبارة عن مدخل أساسي لقراءة عالمه الإبداعي؛ فالمنحوتة، وفق هذه الرؤية، ليست جسماً مستقلاً عن صاحبه، وإنما أثر من آثار تجربته الشخصية، ووسيلة لترجمة ما يختزنه من أفكار ومشاعر وذكريات إلى لغة تشكيلية.

إن عبارة «أسكب لحظات حياتي» تمنح النحت بُعداً يتجاوز الحرفة. فالفنان لا ينقل الحياة إلى الحجر كما تُنقل صورة إلى سطح، بل يعيد صياغة التجربة الإنسانية في تكوين مادي، تتفاعل فيه الفكرة مع الكتلة، والعاطفة مع التوازن، والذاكرة مع الشكل.

أما تفاعل المنحوتة مع حساسية الناظر، فيشير إلى أن العمل الفني لا يكتمل عند خروجِه من يد صاحبه؛ إذ يبدأ بعد ذلك لقاء آخر بين الشكل والمتلقي، لقاء تتعدد فيه القراءات بتعدد التجارب الإنسانية.

فقد يرى أحدهم في المنحوتة حركةً متحررة من ثقل المادة، وقد يقرأ فيها آخر تأملاً في الجسد أو الزمن أو الذاكرة، بينما يجد ثالث في صمت الرخام مساحةً للتفكير في معنى الوجود. وهنا تكمن قدرة الفن التشكيلي على فتح أبواب التأويل من دون أن يفرض على المشاهد معنى وحيداً.

الرخام والضوء… قراءة بعين المصوّر

من منظور التصوير الفوتوغرافي، تكتسب تجربة النحات بطرس الرمحين أهمية خاصة؛ فالنحت والتصوير، على اختلاف مادتيهما، يلتقيان في اهتمامهما بالشكل والضوء والظل، وفي سعيهما إلى تحويل الرؤية إلى بناء بصري قادر على التأثير.

فالنحات يعمل على الكتلة والفراغ، بينما يعمل المصوّر على تسجيل العلاقة بينهما ضمن إطار محدد. وكلاهما يحتاج إلى عين تكتشف ما قد لا يراه المشاهد العابر: انحناءة سطح، أو توتر خط، أو توازن كتلتين، أو انتقالاً رقيقاً من الضوء إلى العتمة.

وفي الرخام الأبيض على وجه الخصوص، يصبح الضوء عنصراً كاشفاً لبنية العمل؛ إذ تستطيع الإضاءة الجانبية أن تبرز آثار الأدوات وملامح السطح، وأن تمنح الحواف عمقاً بصرياً، فيما تكشف الظلال عن انحناءات وتجاويف قد تبدو أقل وضوحاً تحت إضاءة مسطحة.

ومن هنا، فإن تصوير المنحوتة لا يعني توثيق شكلها الخارجي فحسب، بل يتطلب قراءةً واعية لعلاقتها بالضوء، واختيار زاوية النظر التي تكشف بنيتها وتوازنها وإيقاعها.

وتتطلب هذه القراءة أيضاً الانتباه إلى المسافة بين العمل والخلفية، وإلى أثر المنظور في أبعاد الكتلة، وإلى اختلاف درجات اللون والملمس بين الأسطح المصقولة والخشنة.

إن المصوّر الذي يقف أمام منحوتة رخامية يواجه سؤالاً قريباً من سؤال النحات: كيف أجعل العين ترى ما وراء الشكل المباشر؟ وكيف أُظهر في صورة واحدة الإحساس بالحركة أو السكون، وبالثقل أو الخفة، وبالامتداد أو الانغلاق؟

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى تجربة الرمحين بوصفها مجالاً غنياً للتأمل في الحوار بين الفنون البصرية، حيث يلتقي النحت والتصوير في البحث عن جوهر الرؤية، وإن اختلفت الأدوات والوسائط.

معارض متعددة… وحضور يتجاوز الحدود

امتدت المشاركات والمعارض التي ارتبطت بمسيرة بطرس الرمحين إلى محطات فنية وثقافية في أوروبا وخارجها، وشملت صالات عرض ومؤسسات ثقافية ومتاحف وفعاليات للفن المعاصر.

ففي فرنسا، ظهرت أعماله ضمن معارض وفعاليات في باريس ومناطق أخرى، كما ارتبطت مسيرته بمشاركات في سويسرا، ولا سيما جنيف وزيورخ ونيون، وفي النرويج، ومنها بيرغن، وكذلك في المملكة المتحدة، عبر مشاركات في غلاسكو.

وشملت محطاته أيضاً إيطاليا، التي احتضنت جانباً مهماً من تجربته، من كارّارا وميلانو وبادوفا إلى مدن ومواقع فنية أخرى، إلى جانب مشاركات في سوريا وكوبا.

ومن المحطات الواردة في سجل معارضه مشاركته في معرض «Autoportrait» في كارّارا عام 2013، بإشراف القيّمة الفنية شانتال دي جايجر، ومعرض «Espace H2O Oberkorn» في ديفردانج بلوكسمبورغ عام 2014.

كما شملت مشاركاته معرض «النحاتين الملائكيين» في نابانوك بولاية نيويورك عام 2010، ومعارض في جنيف وبيرغن، وفعاليات فنية في كارّارا وفلورنسا، إضافة إلى محطات عرض في باريس خلال الفترة الممتدة من عام 2000 إلى 2005.

وقبل عام 2000، شارك في معارض وصالات عرض في بازل وروما وباريس، وظهرت أعماله في سياقات ثقافية وفنية متعددة، من بينها المركز الثقافي السوري في باريس، إلى جانب معارض شخصية في دمشق وصالات عرض في إيطاليا وسويسرا.

وتكشف هذه المسيرة، بتعدد محطاتها، عن فنان اختار أن يجعل من الحركة والانفتاح جزءاً من تجربته، وأن يضع عمله في مواجهة جمهور متنوع الخلفيات والاهتمامات.

ولا تكمن أهمية المشاركة الدولية في عدد المعارض وحده، بل في قدرة العمل الفني على الدخول في حوار مع بيئات مختلفة، وعلى الاحتفاظ بخصوصيته الثقافية والإنسانية، من دون أن ينغلق على حدود جغرافية واحدة.

إرث يتجاوز المنحوتة

إن استعادة سيرة بطرس الرمحين لا ينبغي أن تتوقف عند محطات الميلاد والدراسة والسفر والمعارض؛ فهذه المعلومات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم قيمة الفنان. ثمة جانب آخر يتصل بما يتركه المبدع في محيطه، وبالعلاقات الإنسانية التي تنشأ حول الفن، وبالمعرفة التي تنتقل من جيل إلى جيل.

لقد جمع الرمحين بين ممارسة النحت، وإقامة المرسم، وتوفير فرص التدريب، وفتح أبواب التجربة أمام الراغبين في تعلّم تقنيات العمل على الرخام. وهذه الجوانب تمنح سيرته بعداً يتجاوز حدود الإنجاز الفردي، لتضعه في سياق الفنان الذي يسهم في بناء بيئة فنية قادرة على الاستمرار.

كما أن انتقاله من سوريا إلى إيطاليا لم يلغِ جذوره الأولى، بل أتاح له أن يحمل تجربته إلى فضاء أوسع، وأن يجعل من حياته الفنية جسراً بين ثقافتين، وبين ذاكرة المكان الأول وخبرة المكان الذي احتضن جانباً كبيراً من نضجه الفني.

وهكذا يصبح إرث الفنان مكوّناً من طبقات متعددة: أعماله التي يمكن مشاهدتها وتأويلها، وخبرته التي نقلها إلى المتعلمين، والذكريات التي تركها لدى زملائه وأصدقائه، والقيم التي جسدها في علاقته بالفن والإنسان.

خاتمة: سلاماً لروحٍ تركت أثرها في الحجر والقلوب

برحيل النحات السوري بطرس الرمحين، يخسر الوسط الفني اسماً ارتبطت تجربته برحلة طويلة من دمشق إلى كارّارا، ومن بدايات النحت على الخشب والحجر إلى فضاءات العرض والتعليم والتواصل الفني الدولي.

لكن الفن يمنح أصحابه شكلاً آخر من الحضور؛ فالأجساد ترحل، فيما تبقى الأعمال شاهدة على أصحابها، وتظل التجارب الإنسانية حية في ذاكرة من عرفوهم وتعلموا منهم وتأثروا بهم.

لقد قال الرمحين إن منحوتاته تحمل لحظات حياته، ولعل هذه العبارة تختصر ما يمكن أن يبقى منه: حياة أعاد صياغتها في الرخام، وأفكاراً منحها شكلاً، وخبرةً وضعها في خدمة الفن والفنانين.

إلى الصديق الغالي، الغائب بجسده والحاضر في الأرواح والذاكرة، تحية وفاء ومحبة. لقد أتعب المرض جسدك، لكنه لا يستطيع أن يمحو ما تركته من أثر في مسيرة الفن وفي قلوب الذين عرفوا طيب أخلاقك وتفانيك في خدمة الفنانين من مختلف أنحاء العالم.

أحرّ التعازي إلى عائلتك، وإلى شقيقك النحات لطفي الرمحين، وشقيقاتك، وجميع أحبّتك وأصدقائك، وكل من شاركك طريق الإبداع.

رحم الله بطرس الرمحين، وأسكن روحه السلام والسكينة. وليظل الرخام الذي أحبّه شاهداً على رحلة فنان آمن بأن الحجر يستطيع أن يتكلم، وأن الجمال قادر على مقاومة النسيان، وأن ما يُصنع بصدق الروح لا ينتهي برحيل صاحبه.

سلامٌ لروحك، ولتبقَ منحوتاتك ذاكرةً من نور، وشاهداً على أن الفن هو إحدى الطرق التي يترك بها الإنسان جزءاً من روحه في العالم.

أخر المقالات

منكم وإليكم