بشرى عمور تحاور المسرحي غنام عنام عن مسرحيته “فاطمة الهواري…لا تصالح”

بعد تقديم العرضين المونودراميين: “سأموت في المنفى” عام 2017 و”بأم عيني 1948″ عام 2022 ، على امتداد الوطن العربي وبأغلب المهرجانات العربية والدولية بمختلف مناهجها وتوجهاتها، يواصل المسرحي الفلسطيني/ الأردني غنام غنام تجاربه المسرحية، ضمن مشروعه، الذي أعلن عنه بالدورة 24 لأيام قرطاج المسرحية، المسمى “مسرح فلسطين حرة”، بعرض “فاطمة الهواري.. لا تصالح” من تأليف وإخراج غنام غنام، وبطولة الفنانة التونسية أماني بلعج، والفنان الأردني أحمد العمري، والموسيقي للأردني ماهر الحلو، والإضاءة للأردني ماهر الجريان. حيث سبق وأن قدم عرضه الأول بعمان في إطار مهرجان الرحالة (30 غشت 2025) ثم قدم للمرة الثانية بالقاهرة (27 سبتمبر 2025) ضمن فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان ايزيس الدولي لمسرح المرأة.سجل العرضان السابقان، نجاحا كبيرا وتجاوبا لافتا من المسرحيين والباحثين والنقاد والإعلاميين في مختلف البلدان، بفضل حمولاتهما الإنسانية التي تسعى إلى استحداث الذاكرة القومية بإستحضار القضية الفلسطينية كقضية وجدانية بعمقها التاريخي والديني تتداولها الأجيال. فهل تعتبر مسرحية “فاطمة الهواري.. لا تصالح” ثلاثية العروض أم عمل مستقل ينضوي مثل الاعمال السابقة والقادمة إلى المشروع المذكور اعلاه للاجابة عن هذا السؤال وأسئلة أخرى، ارتأينا فتح الحوار مع المخرج غنام غنام لنقاسمه أحلام و مخططات هذا المشروع المسرحي الكبير

1/ هل مسرحية “فاطمة الهواري.. لا تصالح” امتداد لعروض مشروع “مسرح فلسطين حرة”؟ـ “مسرح فلسطين الحرة” فكرة وليس فرقة، فكرة لمواجهة محاولات طمس الحق الفلسطيني، عندما أطلقت هذا المسمى / الاتجاه / الموقف على كافة أعمالي وكان ذلك الإعلان في ديسمبر 2023 كانت معظم الدول التي اعترفت مؤخراً بفلسطين دولة (مثل فرنسا) تجرم من يرفع شعار (Free Palestine)، وكان إعلاني يومها في ختام عرض بأم عيني 1948 في مهرجان أيام قرطاج المسرحية بمثابة دعوة للمسرحيين ليعلنوا تبنيهم للحق الفلسطيني، وعليه فإن (مسرح فلسطين الحرة) اكبر من أن يكون حكراً على فرد أو فرقة، لأنه فكرة يفترض أن تتوج عناوين مسرحيات وفرق مختلفة، من هذا الباب أقول نعم، فاطمة الهواري لا تصالح هي في مسار هذا المشروع.

2/ اشتغلت على مسرحيتي: سأموت في المنفى وبأم عيني 1948 ضمن إطار أسلوب المونودراما (تأليفًا وإخراجًا وأداءً). فما الذي جعلك تختار “فاطمة الهواري، لا تصالح”، رغم أنها لا تسير على النهج ذاته؟ـ الأعمال المسرحية مثل (أولاد البطن الواحد) ربما تبدو الملامح الخارجية وكأنها لأنهج مختلفة، لكنها في الجذر والمنطلق والتفاصيل الداخلية واحدة، لذا صحيح أن سأموت في المنفى وبأم عيني 1948 عرضان من فن الأداء المونودرامي، إلا أن فاطمة ولدت من رحم تلك الزيارة التي أعتبرها فاصلة في مسيرتي وعمري (زيارة أرضنا المحتلة عام 1948) بواسطة (التهريب) لذا فكما ولد عرض بأم عيني نتيجتها، ولدت فاطمة الهواري كذلك، لذا شبهنا الأمر بأولاد البطن الواحد، وعندما فكرت في فاطمة الهواري لا تصالح خطر ببالي عدة حلول تقنية منها الأداء المونودرامي للحكاية الدرامية خاصتها، إلا أن الصيغة الأقوى كانت هي مواجهة فاطمة مع آبي ناتان الطيار القاتل الذي قصف بلدتها (ترشيحا) وتسبب في موت أهلها وإصابتها بالشلل في لحظة ادعائه بالأسف لها بعد 47 عاماً من الإنكار أنه وقوات الاحتلال مسؤولون عن هذه الجريمة التي وقعت يوم 28 أكتوبر 1948.من هنا كان هناك شخصيتان أساسيتان وشخصيتان مساعدتان.وبالمناسبة هناك أيضاً صيغ مختلفة لهذا العمل، مما يمكنني من عرضه بأشكال عرض مختلفة، ربما تبدو المسافة بين هذه المعالجات المختلفة واضحة، بحيث يبدو وكأنك تشاهدين عملين مختلفين لنفس الرواية بنفس الممثلين.

3/ هل يمكن إدراج المسرحية ضمن مهرجانات المسرح النسائي بوصفها تجسيدا لمعاناة امرأة، أم تراها أقرب إلى أن تعرض تحت يافطة مسرح المقاومة بوصفها قضية مصيرية؟ـ اليافطة الأساسية لهذا العرض هي مسرح المقاومة، وذلك بناء على محمولات العرض الفكرية والفنية الأساسية، لكن هذا لا يمنع أن تتم رؤية العمل من زاوية دور المرأة النضالي وما يمثله إنسانياً، كما يمكن أن يرى من زوايا أخرى مثل أسئلة التحول الإنساني أو علاقة الضحية بالقاتل، وما إلى ذلك، وكلها تبقى تحت يافطة المقاومة.يمكن أيضاً وهذا شيء لاحظه عدد ممن حضروا العرض في مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة، أن قضية المرأة في فاطمة الهواري، أعمق، وأبلغ وأكثر اشتباكاً من أعمال تتناول قضية المرأة فقط من ناحية (الجندر) والسيطرة الذكورية، وهذا لا ينفي موضوعية هذه الأعمال، لكنه يؤكد أن في كل مجتمع أولويات ترتبط ببعضها البعض، وفي القضية الفلسطينية نساء نماذج متفوقة، مثل المناضلة ليلى خالد، المثقفة القائدة، ومثل فاطمة المناضلة بشكل آخر، لذا فالمرأة في فلسطين يمكن أن تسجل نضالات يومية أعمق وأكثر اختلافاً، أنظري مثلاً، رولا غانم الفائزة في كتارا عن الرواية، مبدعة أدبياً ومناضلة من أجل حرية ابنها الأسير، ومن أجل حرية وطنها.

4/ في تجاربك السابقة بنيتَ علاقة حميمة مع الجمهور وجعلته يحيط بك أثناء السرد، بينما اخترت هذه المرة العودة إلى الخشبة. هل يعكس هذا التحوّل رسالة أو دلالة معينة؟ وما هي؟ـ عندما صممت العرض، بدأته كعرض على الركح ووضعت كل احتمالات تقديمه المختلفة بما فيها أن يعرض داخل حلقة وبدون أي مكملات تقنية، ولذا وكما ذكرت في إجابتي على سؤالك الكريم قبلاً، قد تشاهدين نسختين مختلفتين من حيث شكل العرض وبالطبع ما يتطلبه ذلك من اختلاف في الأداء لنفس النص، وكأن النسختين عملان لمخرجين مختلفين، في الأردن عرضته في فضاء مفتوح بلا تقنيات تذكر، في مصر عرضته على خشبة مسرح علبة، وبالمناسبة أنا لم أغادر تقديم العروض بأشكال مسرحية مختلفة، ففي عام 2016 قدمت سأموت في المنفى في حلقة، بينما في 2018 قدمت “ليلك ضحى . الموت في زمن داعش” على خشبة علبة إيطالية، وبعدها بأم عيني في حلقة، وفاطمة الهواري منطلقا من الركح لأشكال مختلفة.العرض الذي يؤسس على الركح من السهل تقديمه في فضاء مفتوح أو حلقة، لكن العرض الذي يصمم للحلقة أو الفضاء المفتوح سيكون ناقصاً جداً حين يقدم على الركح ولا تعوض هذا النقص كل المكملات التقنية.

5/ هل يمكن اعتبار “فاطمة الهواري. لا تصالح” حالة من النوستالجيا، أم تراها نموذجا مصغرا لمعاناة أعمق؟ـ الحنين يسكن كل أعمالي، ولكنه لا يقيم أساسها، وفاطمة رسالة فكرية وإنسانية بامتياز، مبنية على نموذج من نماذج المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ عام 1917 حتى الآن، إنها تتناول وطنا في شخص فاطمة ورمزي (خطيبها الذي راح ضحية تلك الجريمة (وهذه فرضية درامية) وسهيل ابن أخيها (الصنايعي) الحيوي الشخصية والثلاثة نماذج فلسطينية مشرقة، لكل منهم ميزاته الخاصة، ويأتي العرض على ذكر شخصيات عربية وفلسطينية عديدة، يذكرون كشواهد إضافية، حتى وكأن العرض ساحة واسعة لصلبان ضحايا الاحتلال الصهيوني.ولا اخفيك سراً، بأنني عمدت إلى البساطة في بناء المناخ المسرحي، كي يبقى الخطاب الإنساني هو الأبرز، لذلك اعتمدت على ممثلين كبيرين (التونسية أماني بلعج) و (الأردني أحمد العمري) وتسلحت بموسيقي مرهف الحس والضمير (الأردني ماهر الحلو) وبمصمم إضاءة شاب (الأردني ماهر الجريان)، كي اضمن من خلال الممثلين الكبار، تصويراً بارزاً لشخصيات تحفر مكانها في عقل ووجدان وضمير وخيال المتلقي.

6/ هل كان اختيار ممثلين وتقنيين من بلدان عربية محض صدفة، أم أنه جاء بوصفه قراءة لملامح القضية الفلسطينية باعتبارها قضية قومية تمسّنا جميعًا؟ـ أظنني جئت بجزء من الجواب صدفة في السؤال السابق، لكن سؤالك هذا مناسبة مهمة لأشكر الفريق الذي ذكرتهم، لأنهم متطوعون بكل ما في الكلمة من معنى، متطوعون من أجل الرسالة والقضية، وهناك آخرون ساهموا في توطيد العمل على هذا العرض، من العراق والإمارات وفلسطين، الكل متآلف ومتطوع ومُضَحٍ من أجل الفكرة والرسالة، وتفاصيل تضحياتهم تحتاج سِفراً خاصاً يوضح نبل معادنهم الفنية والإنسانية، وغنني على ثقة أن عشرات بل مئات الفنانين العربـ، لم يكونوا ليترددوا لحظة لو تمت دعوتهم للتطوع في مثل هكذا أعمال، تحمل هكذا رسائل. وفي انتظار رحلة جديدة لسندباد المسرح نحو مسار من”مسرح فلسطين الحرة” ستتجدد الأسئلة وتتطور الأجوبة ويزداد القلق لتحلى الحكاية وتتجاوز الألف (ألف ليلة وليلة) وتصير اللانهاية ….

المصدر www.alfurja.com

أخر المقالات

منكم وإليكم