برو العطار
حانوتٌ كان يداوي دمشق قبل الصيدليات
حكاية إبراهيم الذي تحوّل اسمه إلى معلم من معالم الشام القديمة
- من أواخر القرن التاسع عشر تبدأ الحكاية؛ في دمشق العثمانية لمع اسم إبراهيم المعروف تدليلاً بـ«برو»، واحداً من أشهر من مارسوا تجارة العطارة، وتربط الرواية الدمشقية المتوارثة شخصيته بإبراهيم المحملجي، الجد الذي أسّس كاراً انتقل بين الأجيال، فيما تثبت المصادر المنشورة اسم إبراهيم ولقب «برو» وشهرته، من دون أن تحسم حتى الآن نسبة «المحملجي».
- لم يكن دكانه محلاً عابراً بين دكاكين المدينة؛ فقد استقر اسمه في ساحة سوق الخيل المتاخمة لنهاية سوق العتيق وقرب سوق التبن وحمام القرماني، حتى غدا «برو العطار» علامة يستدل بها الدمشقيون على المكان، وتذكره شهادات أهل دمشق ضمن أشهر محال العطارة التي احتضنتها الساحة.
- كان برو يمثل مرحلة سبقت رسوخ الصيدلية الحديثة في دمشق؛ فحوانيت العطارين كانت خزائن الدواء الشعبي، تمتلئ بالحشائش والزهورات والبذور والجذور والتوابل، وتذكر دراسة عن تاريخ الطب والصيدلة الدمشقية «برّو العطار» صراحةً بوصفه من أشهر العطارين، في مجتمع ظل يلجأ إلى هذه الحوانيت إلى جانب الطب الحديث الناشئ.
- والدليل الأقوى على مكانته جاء من علي الطنطاوي نفسه؛ ففي نص دمشقي نشره سنة 1941 استعاد صورة الحي القديم وذكر «برو العطار» باعتباره رجلاً يعرف أهل الحي رجالاً ونساءً وأحوال بيوتهم، وعضواً فاعلاً في شبكة اجتماعية كانت تتدخل في الإصلاح ومساعدة الناس وتسوية شؤونهم، بما يكشف أن دكانه كان مجلساً للمدينة بقدر ما كان حانوتاً للعطارة.
- وفي «قصة أب» ترك الطنطاوي شهادة أشد دلالة على شهرته العلاجية؛ إذ استعاد زمناً لم يكن الطبيب فيه قريباً من كل بيت، وكانت الأسر الدمشقية تلجأ إلى «طب برو العطار وزهوراته وحشائشه»؛ شهادة أدبية واجتماعية تكشف مدى الثقة الشعبية التي أحاطت باسمه، من دون أن تعني أن تلك الوصفات تمثل طباً علمياً بالمفهوم المعاصر.
- وتحفظ الذاكرة الشعبية صندوقاً كاملاً من الوصفات المنسوبة إليه: التوت والعناب، بزر الكتان والسكر نبات، البابونج والزهورات، المريمية وورق الجوز والقرنفل وحبة البركة وغيرها؛ وهي وصفات تعكس تراث العطارة الدمشقية أكثر مما تشكل إرشادات طبية حديثة، وتُنسب إليه أيضاً عبارته المحببة للمريض: «الله لا يبارك بالمرض»، كأن المواساة كانت أول دواء يقدمه قبل أن تمتد يده إلى رفوف الأعشاب.
- أما اسم «برو» فلم يبق مربوطاً برجل واحد في الذاكرة المتداولة؛ فالروايات الشعبية تقول إن الكار استمر داخل العائلة حتى وصل إلى أحد الأحفاد، عبد العال نصري، الذي بقي معروفاً بلقب «برو العطار»، فتحوّل الاسم من لقب إبراهيم إلى هوية للمحل والمهنة وذاكرة متوارثة؛ إلا أن هذه الحلقة من التسلسل العائلي ما تزال بحاجة إلى وثيقة مستقلة تؤكدها بصورة قاطعة.
- اختفى الحانوت وبقي الاسم أقوى من الحجر؛ وتربط الرواية المتداولة نهاية الدكان بهدمه سنة 1991، وهي سنة لم أجد لها حتى الآن توثيقاً مستقلاً حاسماً، لكن المصادر تؤكد اختفاء معالم كثيرة من المنطقة وإغلاق السوق العتيق وتبدل ساحة سوق الخيل؛ وهكذا صار «برو العطار» جزءاً من دمشق التي فقدت دكاكينها القديمة، لكنها لم تفقد أسماء رجالها الذين جعلوا الحانوت ذاكرةً والدواء الشعبي حكايةً تنتقل من جيل إلى جيل.
……………………………….
المصادر والمراجع: - مدونة د. جوزيف زيتون، توثيق أسواق دمشق القديمة وسوق الخيل.
- الباحث عماد الأرمشي، توثيق السوق العتيق وساحة سوق الخيل.
- مذكرات محمد حسن بوكا المنشورة في موقع التاريخ السوري المعاصر.
تحرير حسان سعد#مجلة ايليت فوتو ارت
انفوغرافيك #سوريات_Souriat


