اميرة ناجي تكتب عن تجربة فاطمة العبيدي التشكيلية

هندسة الحلم واستدعاء الذاكرة اللونية في تجربة فاطمة العبيدي
أميرة ناجي /فنانة تشكيلية

في البدء لا تظهر اللوحة كمساحة صامتة بل كحدث داخلي يتكوّن ببطء. كأن اللون يصل قبل الشكل. وكأن العين لا تنظر بل تُصغي. في أعمال فاطمة العبيدي لا نقف أمام مشهد مكتمل بل أمام طاقة في طور التشكل. اللوحة لا تُعلّق على الجدار بل تُفتح كمسار تأملي. الاقتراب منها يعني الدخول في حوار مع طبقات اللون ومع آثار الحركة ومع صمت محسوب يجاور الانفجار البصري. هنا لا يبحث العمل عن تمثيل العالم بل عن إعادة خلقه عبر الذاكرة والحدس والوعي الجمالي.

يقول الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي:

اللون قوة تؤثر مباشرة في الروح واللوحة ليست شكلا يُرى بل حالة تُعاش

هذه المقولة تفتح مدخلا عميقا لقراءة تجربة فاطمة العبيدي حيث لا يُفهم اللون كعنصر بصري مستقل بل كطاقة نفسية وروحية تحرّك بنية العمل من الداخل. اللون هنا لا يصف شيئا خارج اللوحة بل يكشف عما يدور في طبقات الشعور. وهو ما يجعل التجربة أقرب إلى الإنصات الداخلي منها إلى المشاهدة السطحية.

تُقدّم فاطمة العبيدي مشروعا تشكيليا ينتمي إلى فضاء التجريد التعبيري المعاصر مع انزياحات واضحة نحو التجريد الرمزي. فهي لا تنفصل عن الواقع ولا تعيد إنتاجه بل تعيد صياغته بلغة لونية كثيفة تقوم على الإيقاع والكتلة والتوازن الداخلي. اللون في أعمالها ليس مادة تزيينية ولا أداة إبهار بل حامل معنى. وهو يولد مع الفكرة في اللحظة نفسها. لذلك تبدو اللوحة نتيجة مسار تأملي طويل لا قرارا تقنيا سريعا.

من السمات البارزة في أعمالها الحضور المتكرر للدائرة والمساحات المتقاطعة والكتل اللونية المتجاورة التي تتحاور دون صدام. الدائرة لا تظهر كعنصر هندسي جامد بل كرمز كوني مفتوح. تحيل إلى الشمس والقمر والزمن الدوري والبذرة الأولى. وجودها يمنح اللوحة مركزا بصريا وروحيا تتوزع حوله بقية العناصر. أما المساحات المحيطة فتتحرك كتيارات طاقة. أحيانا هادئة وأحيانا متوترة. وكأننا أمام خريطة شعورية لا جغرافية.

أسلوب فاطمة العبيدي يقوم على بناء طبقات لونية متراكبة. تظهر آثار الحركة واضحة في ضربات الفرشاة وفي تقنيات السحب والمسح والشفافية الجزئية. هذا التراكم لا يخفي ما تحته بل يسمح له بالظهور كذاكرة بصرية. وكما تتراكم التجارب الإنسانية دون أن تمحو سابقاتها تتراكم الألوان هنا دون إلغاء جذورها الأولى. اللوحة تتحول إلى سجل زمني داخلي لا يخضع للقياس بل للإحساس.

من الناحية التقنية نلاحظ توازنا دقيقا بين العفوية والانضباط. اللون يبدو منطلقا بحرية لكنه في العمق محكوم ببنية داخلية صارمة. هذه البنية لا تُرى مباشرة لكنها تُحس. وهي ما يمنح العمل تماسكه وقدرته على الاستمرار في ذاكرة المتلقي. هنا يتجلى نضج التجربة حيث لا تُترك اللوحة للصدفة المطلقة ولا تُقيد بتخطيط مسبق. بل يُفتح مجال للحوار بين اليد والعين والحدس.

مدرسيا يمكن قراءة تجربة فاطمة العبيدي ضمن سياق التجريد التعبيري الحديث مع انفتاح على مفاهيم الفن الروحي. فهي لا تجرّد الشكل فقط بل تجرّد التجربة الإنسانية ذاتها. اللون يتحول إلى وسيط بين الداخل والخارج. بين الفردي والجمعي. بين اللحظة والذاكرة. وهذا ما يجعل أعمالها قابلة للتأويل المتعدد دون أن تفقد هويتها أو تذوب في عمومية التجريد.

ارتباط فاطمة العبيدي بالموروث الثقافي والحضاري لا يأتي عبر استحضار مباشر للرموز التراثية أو الأشكال المعمارية المعروفة. بل يظهر على مستوى أعمق يتعلق بالإحساس بالزمن الشرقي وبالدورة الكونية وبالعلاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة. الألوان الترابية والأزرق العميق والأصفر المشبع تستدعي فضاءات مألوفة في الذاكرة الجمعية. الصحراء والماء والسماء والضوء. لكنها لا تظهر كمشاهد بل كأثر وجداني متحوّل.

في هذا السياق يمكن قراءة أعمالها كامتداد بصري لفكرة الحضارة باعتبارها تراكم معنى لا تراكم مادة. الحضارة هنا ليست أطلالا ولا زخارف بل ذاكرة حية تنتقل عبر الإحساس. اللوحة تصبح مساحة تأمل في هذا الامتداد. وكأن الفنانة تعيد طرح سؤال الهوية بصيغة بصرية معاصرة بعيدة عن الخطاب المباشر.

عند مقارنة تجربة فاطمة العبيدي بتجارب تجريدية عربية معاصرة نلاحظ اختلافا في المنهج والرؤية. فبينما اتجه بعض الفنانين إلى توظيف الرمز التراثي بشكل مباشر أو إلى تحميل اللوحة خطابا أيديولوجيا واضحا اختارت العبيدي مسارا أكثر هدوءا وعمقا. مسارا يشتغل على البنية الداخلية للعمل لا على سطحه الدلالي.

وإذا ما قورنت بتجارب عالمية في التجريد التعبيري مثل أعمال مارك روثكو أو هيلين فرانكنثالر نلاحظ تقاطعا في الاهتمام باللون كحالة نفسية لا كعنصر تشكيلي محض. غير أن تجربة فاطمة العبيدي تتميز بإيقاع لوني مرتبط ببيئة ثقافية مختلفة. إيقاع يستبطن حرارة المكان وامتداد الذاكرة الشرقية دون أن يقع في فخ الزخرفة أو التزيين.

كما تختلف عن التجريد الغربي الكلاسيكي في ابتعادها عن القطيعة الحادة مع المعنى. فاللوحة لديها لا تنفي الدلالة بل تؤجلها. تتركها معلّقة بين الإحساس والتأويل. وهذا ما يمنح العمل طابعا تأمليا يقترب من التجارب الصوفية البصرية حيث لا يُقدّم المعنى جاهزا بل يُختبر.

في المحصلة تقدم فاطمة العبيدي مشروعا تشكيليا ناضجا يقوم على وعي لوني عال وحس فلسفي متزن. مشروع يراكم تجربته بهدوء وصبر ويؤكد أن اللوحة ما زالت قادرة على أن تكون مساحة تفكير لا مجرد سطح عرض. وأن اللون ما زال قادرا على حمل أسئلة الإنسان الكبرى دون خطاب أو ادعاء

الفن والنقد التشكيلي #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم